ولهذا كان أولى بالتخفيف والتيسير والرخص من غيره من المسلمين، ولا سيما في باب المعاملات.
وليس معنى هذا أن نلوي أعناق النصوص المحكمة، أو نجترئ على القواعد الثابتة، بدعوى التيسير على الناس، فمعاذ الله أن نقصد إلى ذلك، وما أحسب أن شريعتنا تحوجنا يوما إليه، ولكن الذي أعنيه: أن نضع في اعتبارنا حين نجتهد - منشئين أو أو مرجِّحين - مصالح الناس وحاجاتهم، التي لم ينزل الله شرعه إلا لتحقيقها على أكمل وجه.
ولا غرو أن نجد في فقه أئمتنا، وفي كتب المذاهب المعتبرة هذه الجملة المعبِّرة في ترجيح بعض الأقوال على بعض: هذا أرفق بالناس.
ويسرُّني أن أذكر هنا كلمة لإمام كبير انعقدت له الإمامة في ثلاثة مجالات: في الفقه، حيث كان له مذهب وأتباع لمدَّة من الزمن، ثم انقرضوا.
وفي الحديث والرواية، حيث كان يسمَّى (أمير المؤمنين في الحديث) .
وفي الورع والزهد، حيث عُدَّ من أئمة التقوى، وأعني به الإمام سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله، فقد روى عنه الإمام النووي في مقدِّمات المجموع هذه الكلمة المضيئة: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كلُّ أحد [1] !!
(1) - المجموع للنووي (1/ 46) .