وأحيانا يأتي منع الضرار والإيذاء للغير بصِيَغ أخرى، لا يسهل حصرها، كتحريم عقوق الوالدين، وقتل الأولاد من إملاق، أو خشية إملاق، والإساءة إلى الزوجات، أو الأزواج، وقهر اليتامى، والتعدِّي على أموالهم، أو قربانها بغير التي هي أحسن، وحرمان الفقراء والمساكين من حقوقهم، وإيذاء الناس بيد أو لسان، وترويع الآمنين، واتهام البرآء من الناس، وإنكار الحقوق، وخيانة الأمانات، وشهادة الزور، وإعانة الظالمين، وموالاة الجبَّارين المستكبرين في الأرض، واحتكار الأقوات وكلِّ ما يحتاج إليه الناس، وإغلاء الأسعار على الخلق، والتلاعب في الأسواق، والغشِّ في التجارة، وتطفيف الكيل والميزان، وإيذاء المؤمنين والمؤمنات كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب:58] .
ولا يقتصر الضرار المحرَّم على المسلم، بل يشمل غير المسلم، ما دام مسالما للمسلمين، لا يقاتلهم، ولا يخرجهم من ديارهم، ولا يظاهر عليهم عدوًّا، كما في الحديث:"مَن قتل معاهدا لم يَرَح رائحة الجنة" [1] . وقد قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين} [الممتحنة:8] .
بل لا يقتصر تحريم الإيذاء أو العدوان على الناس، بل يشمل الحيوان والطير والحشرات وغيرها وفي الحديث:"دخلت امرأة النار في هرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" [2] .
وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر والضرار إذا كان بغير حق، كما قال ابن رجب.
(فأما إدخال الضرر على أحد بحق، إما لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعا.
وإنما المراد: إلحاق الضرر بغير حق، وهذا على نوعين:
(1) - رواه البخاري في الجزية (3166) ، والنسائي في القسامة (4750) ، وابن ماجه في الديات (2686) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2) - متفق عليه: رواه البخاري بدء الخلق (3318) ، ومسلم في السلام (2242) ، عن ابن عمر.