بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] ، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضا، أو به أذى من رأسه، وأمر بالفدية وفي (المسند) ، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال:"الحنيفية السمحة" [1] ومن حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إني أرسلت بحنيفية سمحة" [2] .
ومن هذا المعنى ما في الصحيحين عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلا يمشي، قيل: إنه نذر أن يحج ماشيا، فقال:"إن الله لغني عن مشيه، فليركب"، وفي رواية:"إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه" [3] .
وفي السنن عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب" [4] [5] .
ومعنى كلام ابن رجب: أن الله تعالى لم يشرع قط ما يضرُّ بعباده، وهذا مسلَّم، ولكنه لم يتطرَّق إلى المعنى الآخر، وهو أنه لا يجوز للمكلَّف أن يضرَّ نفسه، ولفظ الحديث يقتضيه.
وأما الضرار (أو المضارَّة) والمقصود به: مضارَّة الغير، كما ذكرنا سواء أكان ابتداء أم جزاء، فدلائله من القرآن والسنة وفيرة، أحيانا بصيغة الفعل يضارُّ أو تضارُّ أو تضارُّهن، أو اسم الفاعل (مضارّ) ، أو المصدر (ضرارا) .
مثل قوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة:233] ، وقوله: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة:282] ، وقوله: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة:231] ، وقال تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق:6] ، وقال تعالى في تقسيم المواريث: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء:12] .
(1) - رواه أحمد (2107) ، وقال مخرجوه: صحيح لغيره، والبخاري في الأدب المفرد (287) ، وقال الألباني: حسن لغيره، صحيح الأدب (220) .
(2) - رواه أحمد في المسند (24855) ، وقال مخرجوه: حديث قوي، وحسن إسناده الحافظ في التغليق (2/ 43) .
(3) - متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (6701) ، ومسلم في النذر (1642) ، كما وراه أحمد (12889) ، وأبو داود (3301) ، والترمذي (1537) ، والنسائي (3852) ، ثلاثتهم في الأيمان والنذور.
(4) - رواه أحمد (17291) ، وقال مخرجوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف، وأبو داود (3293) ، والترمذي (1544) ، وقال: حسن، والنسائي (3815) ، ثلاثتهم. وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (464) .
(5) - جامع العلوم والحكم (2/ 223 - 224) .