والعينة: أن يبيع السلعة بثمن معيَّن مؤجَّلا (ألف ريال مثلا، ثم يشتريها في الحال بثمن أقل:900 ريال مثلا) ، وليس المقصود البيع ولا الشراء، إنما المقصود أن يدفع (900) ويأخذ (1000) بسبب الأجل.
قال ابن القيم: (وهذا(الحديث) وإن كان مرسلا، فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما يشهد له، وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة [1] ، فإنه من المعلوم أن العِيْنة عند مستحلِّها إنما يسمِّيها بيعا، وفي هذا الحديث بيان أنها ربا لا بيع، فإن الأمة لم يستحلَّ أحد منها الربا الصريح، وإنما استُحِل باسم البيع وصورته، فصوَّروه بصورة البيع، وأعاروه لفظه.
ومن المعلوم أن الربا لم يحرَّم لمجرد صورته ولفظه، وإنما حُرِّم لحقيقته ومعناه ومقصوده، وتلك الحقيقة والمعنى والمقصودُ قائمة في الحِيَل الرِّبوية، كقيامها في صريحه سواء، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما، ويعلمه مَن شاهَدَ حالهما، والله يعلم أن قَصْدهما نفسُ الربا، وإنما توسَّلا إليه بعقدٍ غير مقصود، وسمَّياه باسم مستعار غيرِ اسمه، ومعلوم أن هذا لا يدفع التحريم، ولا يرفع المفسدة التي حُرِّم الربا لأجلها، بل يزيدها قوَّة وتأكيدا من وجوه عديدة) [2] .
ومما لا خلاف عليه: أن باب الحيل يناقض مناقضة صريحة باب سدِّ الذرائع، الذي جاءت به الشريعة، ودلَّ عليه القرآن والسنة، وأقام عليه ابن القيم في (اعلام الموقعين) تسعة وتسعين دليلا.
وقال في إغاثة اللهفان: (وإذا تدبَّرتَ الشريعة وجدتَها قد أتت بسدِّ الذرائع إلى المحرَّمات، وذلك عكس باب الحِيَل الموصِّلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرَّمات، وسدُّ الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم تناقض، والشارع حرَّم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم؛ لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرَّم نفسه؟ فنهى الله تعالى عن سبِّ آلهة المشركين، لكونه ذريعة إلى أن يسبُّوا الله سبحانه وتعالى عدوا وكفرا على وجه
(1) - منها ما أخرجه أحمد (5007) ، وأبو داود في الإجارة (3462) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا:"لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم ..".
(2) - انظر: إغاثة اللهفان من مصايد االشيطان (1/ 297 - 299) ، اعتناء ماهر تلاوي، نشر مؤسسة الرسالة ناشرون.