فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 137

ولم أرَ أحدًا من الفقهاء ممن تعرضوا لشرح هذا الحديث أو شرح هذه القاعدة، ذكر أن نفى الضرر يشمل ضرر النفس، وإنما ركَّزوا على ضرر الغير، ابتداء أو جزاء، مع العلم أن المجمع عليه: أن المسلم منهي أن يؤذي نفسه، أو يجلب عليها الضرر بأي صورة، وقد قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] ، وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] ، وهذا يشمل القتل الفوري مثل الانتحار الذي يعد في الإسلام من أكبر الكبائر، كما يشمل الانتحار البطيء، ومن هنا حرم على الإنسان أن يتناول ما يضرُّه مختارا، ويدخل فيه التدخين وما شابهه.

كما يحرم على الإنسان أن يرهق نفسه، ويحمِّلها فوق ما تُطيق، ولو بالعبادة، ولهذا شرع الله الرُّخص تخفيفا عن عباده، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] ، وقال الرسول الكريم لبعض أصحابه الذين بالغوا في تعبُّدهم:"فإن لجسدك عليك حقًّا" [1] ، وقال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ، وقال جلَّ شأنه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ، وفي الحديث:"لا ينبغي لمسلم أن يذلَّ نفسه"قيل: وكيف يذلُّ نفسه؟ قال:"يتعرَّض من البلاء لما لا يطيق" [2] .

ولكن وجدتُ العلامة ابن رجب في شرح حديث:"لا ضرر ولا ضرار"، قارب هذا المعني حين قال: (ومما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر"أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار لهم في أبدانهم أيضا ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة:6] ، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ

(1) - متفق عليه: رواه البخاري (1975) ، ومسلم (1159) ، كلاهما في الصوم، كما رواه أحمد (2391) ، والنسائي في الصيام (2391) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

(2) - رواه أحمد (23444) ، والترمذي (2254) ، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (4016) ، كلاهما في الفتن، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (7797) ، عن حذيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت