الأولى: أن الضرورات تبيح المحظورات، فلا إثم على متناول هذه المحرَّمات ساعة الضرورة، كما قال القرآن: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
والثانية: أن ما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها كما يفيده قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} ، وذلك لكيلا يتوسَّع الناس في الضرورة، فالأصل فيها أنها استثناء، والاستثناء لا يجوز أن يصبح هو الأصل.
وقد اتَّفق الفقهاء من جميع المذاهب والمدارس على هذه القاعدة، وإن اختلفوا في بعض التطبيقات عليها.
فنجد السيوطي الشافعي يقرِّر في (الأشباه) هذه القاعدة، وإن كان يفرِّعها على قاعدة (الضرر يُزال) ولا حرج في ذلك.
قال:(ومن ثمَّ جاز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر، والتلفُّظ بكلمة الكفر للإكراه، وكذا إتلاف المال، وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، ودفع الصائل، ولو أدَّى إلى قتله. ولو عمَّ الحرام قُطرا، بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرا فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة.
قال الإمام: ولا يرتقي إلى التبسُّط، وأكل الملاذِّ، بل يقتصر على قدر الحاجة.
قال ابن عبد السلام: وفرض المسألة: أن يتوقَّع معرفة صاحب المال في المستقبل فأما عند اليأس، فالمال حينئذ للمصالح، لأن من جملة أموال بيت المال: ما جُهل مالكه.
ويجوز اتلاف شجر الكفار وبنائهم لحاجة القتال [1] ، والظفر بهم، وكذا الحيوان الذي يقاتلون عليه، ونبش الميت بعد دفنه للضرورة، بأن دُفن بلا غسل، أو لغير القبلة أو في أرض أو ثوب مغصوب وغصب الخيط لخياطة جرح حيوان محترم) [2] .
وأقرَّ ابن نُجيم الحنفي ما ذكره السيوطي.
المهم في مثل هذه الأمور: أن تتحقَّق الضرورة بالفعل، وألا توجد سبيل أخرى لسدِّها إلا ما حرَّمه الله، ولا بد من التدقيق في هذه الأمور الثلاثة، للتحقُّق منها.
(1) - انظر: كتابنا (فقه الجهاد) الباب السادس الفصل الأول.
(2) - الأشباه والنظائر للسيوطي صـ 93.