فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 137

ومَن قال لآخر: خذ هذه الدراهم، فإن نوى التبرُّع كان هبة، وإلا كان قرضا واجب الإعادة.

ومَن التقط اللقطة بقصد أخذها لنفسه كان غاصبا، ولو التقطها بنيَّة حفظها وتعريفها وردِّها لصاحبها متى ظهر كان أمينا؛ فلا يضمنها إذا هلكت بلا تعدٍّ منه عليها، أو تقصير في حفظها، وهلم جرا).

وقال في شرح قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني) :

(فبيع الوفاء تجري فيه أحكام عقود عديدة، أبرزها أحكام الرهن، لأن هذا هو مقصود العاقدين في بيع الوفاء.

والهبة إذا اشترط فيها دفع عوض، كمَن قال لآخر وهبتك هذا الشيء بكذا أو بشرط أن تعطيني كذا، أخذ العقد أحكام البيع؛ لأنه أصبح في معناه، رغم استعمال العاقد لفظ الهبة: فيردُّ الموهوب بالعيب، وكذا يستردُّ الموهوب له العوض المدفوع إذا استُحقَّ الموهوب من يده، وهكذا سائر أحكام البيع.

والكفالة إذا اشترط فيها عدم مطالبة الدائن للمدين المكفول، انقلبت حوالة وأخذت أحكامها، لأنها تصبح في معناها؛ وكذا الحوالة إذا اشترط فيها للدائن الحقَّ في أن يطالب كلًا من المدين المحيل والشخص المحال عليه معا، انقلبت كفالة) [1] .

والدليل على هذه القاعدة: الحديث الصحيح المشهور، الذي رواه عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وافتتح به البخاري جامعه الصحيح، وتابعه كثير من المؤلِّفين، وهو قوله:"إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى"وقد رواه مسلم وغيره [2] أيضا.

وهذا الحديث قد نوَّه العلماء بشأنه، وقيمته التشريعية والتوجيهية، وما يدخل فيه من أبواب العلم. قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في كتابه (فتح الباري) : (وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث: قال أبو عبد الله(يعني البخاري) : ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث.

واتفق عبد الرحمن بن مهدي، والشافعي - فيما نقله البويطي عنه- وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، وحمزة الكناني، على أنه ثُلُث الإسلام، ومنهم مَن قال: رُبعه، واختلفوا في تعيين الباقي.

وقال ابن مهدي أيضا: يدخل في ثلاثين بابا من العلم. وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا. ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة.

وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا: ينبغي أن يُجعل هذا الحديث رأس كلِّ باب.

ووجَّه البيهقي كونه ثلث العلم، بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنيَّة أحد أقسامه الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلَّة، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثمَّ ورد:"نية المؤمن خير من عمله" [3] فإذا نظرتَ إليها كانت خير الأمرين.

وكلام الإمام أحمد يدلُّ على أنه يعني بكونه ثلث العلم: أنه أراد أحد القواعد الثلاثة التي تُرَدُّ إليها جميع الأحكام عنده وهي: هذا، و"مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" [4] ، و"الحلال بيِّن، والحرام بيِّن" [5] الحديث.

ثم إن هذا الحديث متَّفق على صحَّته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطَّأ، ووهم مَن زعم أنه في الموطأ [6] . (كذا قال الحافظ، والحق أنه في الموطأ من رواية محمد بن الحسن) .

قال الحافظ: ورد في معناه عدَّة أحاديث صحَّت في مطلق النية، كحديث عائشة [7] وأم سلمة [8] عند مسلم:"يُبعثون على نيَّاتهم"، وحديث ابن عباس:"ولكن جهاد ونيَّة" [9] ،

(1) - المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا (2/ 980، 981) .

(2) - رواه الجماعة: البخاري في بدء الوحي (1) ، ومسلم في الإمارة (1907) ، وأبو داود في الطلاق (2201) ، والترمذي في الجهاد (1647) ، والنسائي في الطهارة (75) ، وابن ماجه في الزهد (4227) ، عن عمر.

(3) - رواه الطبراني (6/ 185) ، والبيهقي في الشعب باب في إخلاص العمل (6860) ، وضعفه الحافظ في الفتح (4/ 219) ، والألباني في الجامع الصغير (12744) .

(4) - سبق تخريجه.

(5) - رواه الجماعة: البخاري في الإيمان (52) ، ومسلم في المساقاة (1599) ، وأبو داود (3329) ، والترمذي (1205) ، والنسائي (4453) ، ثلاثتهم في البيوع، وابن ماجه في الفتن (3984) ، وأحمد (18368) ، عن النعمان بن بشير.

(6) - قال الشيخ نظر محمد الفريابي معلقا: بل هو في الموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني (ص:341 - ح 983) ، فاستثناء ابن حجر رحمه الله الموطأ ليس بصحيح، كما نبه أيضا على هذا الأمر السيوطي في تنوير الحوالك (1/ 10) ، بقوله: (وقد وقفت على الموطَّأ من روايتين أخريين سوى ما ذكر الغافقي، إحداهما رواية سويد بن سعيد، والأخرى رواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وفيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت، منها: حديث:"إنما الأعمال بالنيات ..."الحديث، وبذلك يتبيَّن صحَّة قول مَن عزا روايته إلى الموطأ، ووهم مَن خطَّأه في ذلك.

(7) - متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (2118) ، ومسلم في الفتن (2884) ، وابن حبان في التاريخ (6755) ، عن عائشة.

(8) - رواه مسلم في الفتن (2882) ، وأحمد (26475) ، وأبو داود في المهدي (4286) .

(9) - متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (2783) ، ومسلم في الإمارة (1353) ، كما رواه أحمد في المسند (1991) ، وأبو داود في الجهاد (2480) ، والترمذي في السير (1590) ، والنسائي في البيعة (4170) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت