وحديث أبي موسى:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [1] متفق عليهما، وحديث ابن مسعود:"ربَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته" [2] أخرجه أحمد، وحديث عبادة:"من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى"أخرجه النسائي [3] ، إلى غير ذلك مما يتعسَّر حصره) [4] .
وهذه القاعدة قاعدة عظيمة تتَّفق مع الاتجاه العام لحقيقة الإسلام: أنه يعنيه الجوهر لا الشكل، والمخبر لا المظهر، واللبَّ لا القشر، ولهذا كانت عنايته بأعمال القلوب أهم من عنايته بأعمال الجوارح، وجاء في الحديث الذي رواه مسلم:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [5] ، وكانت طاعات القلوب أعظم وأهمَّ من طاعات الجوارح، ومعاصي القلوب أخطر من معاصي الجوارح. ولهذا كانت النجاة في الآخرة، ودخول الجنة، مبناها على القلب السليم، والقلب المنيب، كما قال تعالى على لسان إبراهيم: {يَوْم لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88، 89] ، وقال في أهل الجنة: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق:33] .
وهذه القاعدة تُبطل (الحِيَل الفقهية) ، المعروفة، التي وقف المحقِّقون من الفقهاء ضدَّها، والتي يُفتي بها بعضهم، لإسقاط الواجبات، أو استباحة المحرَّمات؛ أشبه بما فعله اليهود في يوم السبت حين حرَّم الله عليهم فيه الصيد، فصنعوا ما صنعوا من الشباك،
(1) - رواه الجماعة: البخاري في العلم (123) ، ومسلم في الإمارة (1904) ، و أبو داود (2517) ، والترمذي (1646) ، والنسائي (3136) ، وابن ماجه (2783) ، أربعتهم في الجهاد.
(2) - رواه أحمد (3772) ، قال الحافظ في الفتح: رجال سنده موثقون (10/ 194) .
(3) - رواه النسائي في الجهاد (3138) ، عن عبادة بن الصامت، وصحَّحه الألباني في مشكاة المصابيح (3850) .
(4) -انظر: فتح الباري (1/ 33) ، اعتناء نظر الفريابي، طبعة دار طيبة. وانظر: ما أورده المنذري من أحاديث حول (النية) في كتابه (الترغيب والترهيب) في أول أبوابه (الإخلاص) . وانظر: كتابنا (المنتقى من الترغيب والترهيب) .
(5) - رواه مسلم في البر والصلة (2564) ، واحمد (7827) ، وابن ماجه في الزهد (2143) ، عن أبي هريرة.