فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 137

ومستقرضين، ومعيرين ومستعيرين، مستقيمين ومتحاورين، وملتزمين وغير ملتزمين، ومعتدلين ومتطرِّفين، وهنا يأتي الشارع ليُصلح ويهذِّب ويقوِّم، فيضع القواعد، ويوضِّح المقاصد، ويبيِّن الشروط، ويجلِّي المنهج، ويُبقي الصحيح الموافق لأهدافه ومنهجه، ويُلغي المخالف.

كما نري ذلك حينما جاء الاسلام إلى المجتمع العربي، الذي يحيا حياة جاهلية، وكان في هذه الحياة معاملات وبيوع وأنكحة وعقود، فألغى منها ما ألغى، وعدِّل منها ما عدِّل، وأبقى ما أبقى، وفقا لفلسفته ومنهجه في تنظيم الحياة وتسييرها: فحرَّم الربا، وكلَّ ما فيه ظلم أو غَبْن فاحش، وحرَّم الميسر (القمار) ، ونهى عن الغرر، وهو لون من الميسر والمقامرة، يقل أو يكثر. وأقرَّ بيع السلم، ووضع له شروطا، وقال:"مَن أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" [1] . وحرَّم الغشَّ والخداع في السلعة، أو في الثمن، أو في الكيل والميزان، وحرَّم التطفيف، وضبط المعاملات ضبطا مُحكما.

وهذه التفرقة بين العبادات والمعاملات أساسية ومهمَّة، فلا يجوز أن يُقال لعالم: أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة؟ إذ الدليل ليس على المبيح،؛ لأنه جاء على الأصل، وإنما الدليل على المحرِّم. والدليل المحرِّم يجب أن يكون نصًّا لا شبهة فيه من الكتاب أو السنة، كما هو اتجاه السلف، الذين نقل عنهم شيخ الاسلام ابن تيمية، أنهم ما كانوا يطلقون الحرام إلا على ما عُلم تحريمه جزما.

ولعل مما يشهد لهذا أن بعض الصحابة ظلُّوا يشربون الخمر مع نزول قوله تعالي عن الخمر والميسر: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] ، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] ، وظلَّ البعض يسألون الله أن يبيِّن لهم في الخمر بيانا شافيا، حتى نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ

(1) - متفق عليه: رواه البخاري في السلم (2239) ، ومسلم في المساقاة (1604) ، كما رواه أبو داود في الإجارة (3463) ، والترمذي في البيوع (1311) ، والنسائي في البيوع (4616) ، وابن ماجه في التجارات (2280) ، عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت