ب ومنهم مَن اعتبره بيعا صحيحا، وألغى فيه شرط الإعادة، معتبرا أن هذا الشرط من قبيل الشرط اللغو، لا الشرط المفسد، وأفتى بذلك.
وهذا مشكل جدًّا، وفيه ضرر عظيم للبائع؛ لأن الثمن فيه عادة أقل من القيمة الحقيقية للعقار، كالدين المرهون فيه.
ت ج- ومنهم مَن نظر إلى غايته لا إلى صورته، فرآه في معني الرهن الذي اشترط فيه انتفاع المرتهن بالمرهون، فاعتبره رهنا، وألغى فيه شرط الانتفاع وأفتى بذلك.
قال العلاَّمة الشيخ بدر الدين محمود ابن قاضي سماوة في الفصل (18) من كتابه (جامع الفصولين) ، نقلا عن فتاوى الإمام نجم الدين عمر بن محمد النسفي ما نصُّه: البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالا للربا، وأسموه بيع الوفاء، هو رهن في الحقيقة، لا يملكه المشترى، ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره، وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه، لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام؛ لأن المتعاقدين وإن سمَّياه بيعا، لكن عُرفهما الرهن والاستيثاق بالدين، إذ العاقد (أى البائع) يقول لكلِّ أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانا والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرُّفات للمقاصد والمعاني فهبة المرأة نفسها مع تسمية المهر وحضرة الشهود نكاح، وهكذا.
ثم قال: قال السيد الإمام: قلتُ للإمام الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس، وفتواك أنه رهن، وأنا أيضا على ذلك.
فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس، فقال: المعتبر اليوم فتوانا، وقد ظهر ذلك بين الناس، فمَن خالفنا فليبرز نفسه، وليُقِم دليله. انتهى كلام النسفي.
أقول: قد أبرز المخالفون بعد ذلك أنفسهم، واستقرَّت الفتوى في المذهب الحنفى على ما سُمِّى: (القول الجامع) ، وهو أن بيع الوفاء ليس بيعا صحيحا، ولا بيعا فاسدا، ولا رهنا، وإنما هو عقد جديد ذو موضوع وخصائص تختلف عما لكلِّ واحد من هذه العقود الثلاثة، ولكن فيه مشابه من كلِّ عقد من هذه الثلاثة لذلك قرَّر له فقهاء المذهب فيما بعد أحكاما مستمدَّة من هذه العقود الثلاثة جميعا، ولم يُلحقوه بأحدها، ويطبِّقوا عليه أحكامه.
والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه من مؤلَّفات المذهب الحنفي.