لا يقبل الشكَّ، من كتاب الله أو سنة رسوله، وإلا كان قولا على الله بغير علم، وهذا هو اتجاه الحنفية والمالكية، وهو التضييق في الإيجاب والتحريم، فلا يلزمون الناس بما لا يلزمهم الله به، ولا يمنعونهم مما لم يمنعهم الله منه، إلا إذا كان معهم من الله برهان.
ومن المقرَّر: أن تحريم ما أحل الله لا يقلُّ في الإثم عن إحلال ما حرَّم الله. وهو ما عاب به القرآن عرب الجاهلية، حيث استحلوا الحرام، وحرموا الحلال، فقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين} [الأنعام:140] .
ومما ينبغي تأكيده هنا: أن الاتجاه التشريعي في القران والسنة، هو الميل الى تقليل المحرَّمات، بل تقليل التكاليف بصفة عامَّة، وتضييق دائرتها، تخفيفا على المكلَّفين. ولهذا كُره كثرة الأسئلة في زمن الوحي، لما قد يؤدِّي إليه من كثرة التكاليف، والتشديد على المؤمنين، وهو ما يشير إليه قوله تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة:101] .
وهذه الآية الكريمة قد جعلها العلاَّمة رشيد رضا محورا أدار عليه كتابه (يسر الإسلام) . وقد ذم القرآن بنى اسرائيل حين أمرهم نبيهم موسى بذبح البقرة، فأكثروا من الأسئلة عنها، فشددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. ولو سارعوا إلى الامتثال حين أُمروا، وذبحوا أى بقرة لأجزأتهم، ومثل هذا جاء قوله عليه الصلاة والسلام:"ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم" [1] وقوله:"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما، مَن سأل عن شيء لم يحرَّم على المسلمين، فحُرِّم من أجل مسألته" [2] .
فلا ينبغي أن نخالف عن هذا الاتجاه القرآني والنبوي بتكثير المحرَّمات، وتوسيع دائرة الممنوعات. وقد عاب بعض الإخوة المتشدِّدين على كتابي (الحلال والحرام في
(1) - متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (7288) ، ومسلم في الفضائل (1337) ، كما رواه أحمد في المسند (7367) ، والترمذي في العلم (2679) ، وابن ماجه في المقدمة (2) ، عن أبي هريرة.
(2) - متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (7289) ، ومسلم في الفضائل (2358) ، كما رواه أحمد في المسند (1545) ، وأبو داود في السنة (4610) ، عن سعد بن أبي وقاص.