ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس [1] ومعاوية [2] وغيرهما، فلم يروا به بأسا حتى أخبرهم الصحابة الأكابر - كعبادة بن الصامت وأبي سعيد وغيرهما - بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لربا الفضل.
و أما الغرر: فإنه ثلاثة أنواع: إما المعدوم، كحَبَل الحَبَلَة، وبيع السنين، وإما المعجوز عن تسليمه، كالفرس الشارد، وإما المجهول المطلق، أو المعيَّن المجهول جنسه أو قدره، كقوله: بعتك فرسا، أو بعتك ما في بيتي، أو بعتك عبيدي.
فأما المعيَّن المعلوم جنسه وقدره، المجهول نوعه أو صفته، كقوله: بعتُك الثوب الذي في كُمِّي، أو الفرس الذي أملكه ونحو ذلك: ففيه خلاف مشهور. وتغلب مسألة بيع الأعيان الغائبة، وعن أحمد فيه ثلاث روايات، إحداهن: لا يصحُّ بيعه بحال، كقول الشافعي الجديد، والثانية: يصحُّ وإن لم يوصف، وللمشتري الخيار إذا رآه، كقول أبي حنيفة، وقد روي عن أحمد: لا خيار له، والثالثة، وهي المشهور: أنه لا يصحُّ بالصفة، ولا يصحُّ بدون الصفة، كالمطلق الذي في الذمَّة وهو قول مالك.
و مفسدة الغرر أقلُّ من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشدُّ ضررا من ضرر كونه غررا، مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردا، وكذلك اللبن عند الأكثرين، وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، فإنه يصح مستحق الإبقاء كما دلَّت عليه السنة [3] ، وذهب إليه الجمهور، كمالك والشافعي وأحمد وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد.
و جوَّز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أُبِّرت: أن يشترط المبتاع ثمرتها [4] ، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، لكن على وجه البيع للأصل.
(1) - متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (2178) ، ومسلم في المساقاة (1596) ، عن أسامة بن زيد:"لا ربا إلا في النسيئة"، وفيه قصة جرت بين أبي موسي وابن عباس.
(2) - رواه مسلم في المساقاة (1587) ، وأحمد (22729) ، وأبو داود (3349) ، والترمذي (1240) ، والنسائي (4563) ، ثلاثتهم في البيوع، عن عبادة بن الصامت:"إني سمعت رسول الله ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ..."وفيه قصة جرت بين عبادة ومعاوية.
(3) - متفق عليه: رواه البخاري في في الزكاة (1486) ، ومسلم في البيوع (1543) ، عن ابن عمر:"لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة"، قال: يبدو صلاحه حمرته وصفرته.
(4) - متفق عليه: رواه البخارى (2204) ، ومسلم (1543) ، كلاهما في البيوع:"مَن باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع".