فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 137

وقال الإمام القرطبي في تفسير الآية:(والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي، وحلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة

ما باع، لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة"النساء". وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهيّ، لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} البقرة:85].

وقال قوم: المراد بالآية {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] ، أي: في الملاهي والقيان والشرب والبطالة؛ فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين.

وقال القرطبي: من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل: أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر، وهذا إجماع في الأموال.

وروى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:"إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار - في رواية - فليحملها أو يذرها" [1] . وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء، وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن) [2] .

قال العلامة رشيد رضا في تفسير المنار: (وأما الباطل، فهو ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي، وهو من البطل والبطلان، أى الضياع والخسار، فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية يعتد بها، ورضاء من يؤخذ منه، وكذلك إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع.

(1) - رواه الجماعة: البخاري في المظالم (2458) ، ومسلم في الأقضية (1713) ، وأبو داود في الأقضية (3583) ، والترمذي في الأحكام (1339) ، والنسائي في آداب القضاء (5401) ، وابن ماجه في الأحكام (2317) .

(2) - انظر: الجامع لأحكام القرآن (2/ 338) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت