فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 137

والمراد بـ (الأكل) : الأخذ والتعاطى والاستيلاء، عبر عنه بالأكل مجازا.

والمراد الباطل كما قال ابن العربي:(ما لا يحل شرعا، ولا يفيد مقصودا؛ لأن الشرع نهى عنه، ومنع منه، وحرم تعاطيه، كالربا والغرر ونحوهما، والباطل ما لا فائدة فيه، ففي المعقول هو عبارة عن المعدوم. وفي الشرع عبارة عما لا يفيد مقصودا.

ومعنى {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم} [البقرة:188] ، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض، كما قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء:29] ، أي: لا يقتل بعضكم بعضا. {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات:10] ، أي: لا يلمز بعضكم بعضا. قال ابن العربي: ووجه هذا الامتزاج أن أخا المسلم كنفسه في الحرمة؛ والدليل عليه الأثر والنظر؛ أما الأثر فقوله عليه السلام:"مثل المسلمين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه، تداعى سائره بالحمى والسهر"متفق عليه [1] ، وأما النظر فلأن رقة الجنسية تقتضيه وشفقة الآدمية تستدعيه) [2] اهـ. فنظر إلى المشترك الإنساني.

وذهب العلامة رشيد رضا في تفسير الآية إلى نفس الرأي. أن المراد: لا يأكل بعضكم مال بعض قال: (واختار لفظ(أموالكم) وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه، للاشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك، لأن استحلال التعدى وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه الاضافة البليغة تعليل للنهي، وبيان لحكمة الحكم، كأنه قال لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، لأن ذلك جناية على نفس الآكل، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرِّئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة، فما أبلغ هذا الايجاز! وما أجدر هذه الكلمة بوصف الاعجاز.

وفي الاضافة معنى آخر قاله بعضهم وهو التنبيه على أنه يجب على الإنسان أن ينفق مال نفسه في سبيل الحق وأن لا يضيعه في سُبُل الباطل المحرمة) [3] .

(1) - رواه البخاري في الأدب (6011) ، ومسلم في البر والصلة (2586) عن النعمان بن بشير.

(2) - أحكام القرآن (1/ 97) .

(3) - تفسير المنار (2/ 195) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت