ولم كان العمل والجهد الإصلاحي التطوعي لا يُثمر ثمرته الناضجة من غير تكاتف وإعانة من جهة الدول والحكومات،وكانت الدول والحكومات تناصب التيارات الإصلاحية العداء وتعدها-غالبًا-منابذة لها تريد عرشها= فقد نبغ من وسط صفوف العمل الإسلامي من لا يرى صلاحًا يرجى ولا إصلاحًا يطلب إلا بعد إزالة تلك الحكومات من مكانها.
ونازعه من يرى صواب رأيه كونًاولكن لا يرى صوابه شرعًا.
أو من يرى صوابه شرعًا ولكن لا يرى صوابه سياسة.
وفي الربع قرن الأخير عمومًا وفي السنوات التي تلت الألفية الجديدة خصوصًا وكرد فعل لنشأة التيار المنابذ بالقوة= كثرت التنظيرات والأطروحات التي تناقش خطوات البناء الطويلة، وصار يصك مسمعك كثيرًا جدًا عبارات مثل [النهضة-الإصلاح-الحضارة-العمران-البناء] .
ولأبناء هذا التيار الإصلاحي الجديد نظرات نقدية للتيارات الإصلاحية القديمة. ونظرات أشد انتقادًا للتيار المنابذ بالقوة.
وقد نشط جدًا رافعو هذه الأسماء وزاد نشاطهم جدًا بعد الثورة الإعلامية الاتصالية الأخيرة عبر شبكات المعلومات والقنوات الفضائية.
وزاد من رسوخ أقدامهم هدنة غير معلنة أقامتها معهم الدول والحكومات فلم يتعاملوا معهم بنفس درجة التعامل التي تعاملوا بها مع التيارات الإصلاحية التقليدية.
وزاد من رسوخ أقدامهم أن استقطبت أحوالهم وأوضاعهم وأفكارهم فئامًا من التيارات الإصلاحية التقليدية.
ووسط هذه الصورة تظهر أطياف تمر كخطوط الفنانين التشكيليين في وسط هذه الصورة كالفروق التي تكون بين أبناء الجماعة الواحدة أو التيار الواحد،وكالاجتهادات الفردية والبروزات الأحادية لبعض الدعاة ومناهجهم.
الآن ما أريد قوله هو
1 -لا تبلغ هذه الأمة تمام المراد لها من النصر والتمكين إلا أن يهيء الله لها سلطانًا عادلًا يريد الله ونصرة دينه = فيضع هذه الجهود الإصلاحية جميعها في موضعها الصحيح ويستفيد من صوابها ويقوم أخطائها.
2 -لا أعني بذلك أن يقعد الجميع ويلتحفون بأغطيتهم ينتظرون خروج هذا السلطان من سردابه.
3 -ولا أقول كما يدعي بعضهم أن هذا السلطان لن يكون أبدًا إلا من وراء عمل دؤوب لشرائح الأمة بأسرها = بل هذه سببية زائدة عن الحد المشروع والله تبارك وتعالى يصلح مهدي هذه الأمة في ليلة وهو قادر سبحانه على إصلاح من يجدد ما عفا من رسوم هذه الأمة في أقل من ذلك.
4 -إنما أقول: إن الله تبارك وتعالى شرع لنا الدين التام والشريعة الكاملة،ومن خصائص تلك الشريعة أن كل من ينضوي تحت لوائها لن يُكلف إلا نفسه ولن تكلف نفسه إلا وسعها،فأن يُحوم الإنسان بأفكاره في أودية من عالم الغيب يوشك ذلك أن يكون حيلة نفسية للفرار من عالم الواقع، وللهرب من ضغط التكاليف الشرعية على القلب الغافل اللاهي. وقد رأيتُ الناس تتقطع قلوبهم حسرات أيام حرب غزة. ولكني رأيتُ أقواهم قلوبًا وأسلمهم نفسًا وأصحهم نظرًا فيها = هو من أتته تلك الأحداث وهو في خندق من خنادق العمل لدين الله عز وجل أيًا كان نوعه، رأيت هذا الصنف يبحثون تطوير أدائهم،ويزيدون في فاعلية إنتاجهم. ورأيت غيرهم من القاعدين الكسالى وقد حاصوا حيصة من فجأته الساعة وهو قائم يعصي ربه.
5 -ولاشك أن ميادين العمل الإسلامي كثيرة جدًا في العلم والجهاد والوعظ والتفكير والتخطيط والإدارة والاقتصاد والاجتماع .. وكل عامل في هذه الميادين فهو على ثغر من ثغور الإصلاح وباب من أبواب النهضة وبعد من الأبعاد الحضارية ومقوم من مقومات البناء. وليس يُطلب من هذا العامل أكثر من إتقان العمل وتجويده.
هذه المقدمات تقودني إلى بيت القصيد:
الملاحظ أن فئات غير قليلة من الوعاظ،والمفكرين، ومن عنده نوع اجتهاد = يتصدون لأبواب من النهضة والإصلاح هي ألصق ما تكون بالسياسة الشرعية العامة.
ومثل هذه الأبواب هي أحوج ما تكون للأئمة ذوي الفقه العام،وبعضها ربما احتاج لمن هو من جنس المجددين، وهذا الصنف بات قليلًا جدًابل شبه معدوم وإنما يوجد منه الأصلح فالأصلح.وتصدي هؤلاء الذين لهم شبه بالأئمة لتلك الأبواب يقع فيه أنواع من الخلل ولاشك = لكن الذي لاشك فيه أيضًا أن الخلل يكون أعظم والأثر يكون أفدح إن كان الذي تصدى لتلك الأبواب هو من جنس الوعاظ ومن له نوع اجتهاد دون مرتبة الإمامة والفقه العام.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)