إن البون شاسع بين الإسلام الذى انتصر قديما، وصبغ العالم كله بحضارة كريمة مثمرة، وبين الإسلام الذى يتعثر اليوم وينكمش داخل حدوده، يستجدى الحياة بعد أن كان يهبها، وينتظر المنافع من أيدى الآخرين بعد أن كان يسدى الإحسان إلى الناس أجمعين. ولما كانت الأصول العلمية لهذا الدين لم تتغير في القرون الأخيرة عنها في القرون الأولى- إذ القرآن هو القرآن، والسنة هى السنة- فإن السؤال الطبيعى الحائر على الشفاه هو: ما السر إذن في هذه النقائض الصارخة بالعجب؟ وما الذى يجعل أمة ذات كتاب واحد، تتقدم حتى تمسك بالزمام، وتتأخر حتى تدوسها الأقدام؟؟ إن نفرا من الأئمة ألف كتبا قيمة في الإجابة عن هذا السؤال، وقد التقت آراؤهم عند اتهام المسلمين المتخلفين بأنهم عصاة لا ينفذون وصايا دينهم في مناحى الحياة المختلفة. والعليل الذى يرفض تناول الدواء لو قتلته العلة فلا لوم على طب ولا عقار، بل اللوم على من ظلم نفسه وآثر الانتحار: (وننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارا) . وهذا كلام صحيح في جملته. ولكن ما هى المعصية؟ قد يأمر الله بالصلاة أو الصيام فيتهاون المرء في أمر الله، ويدع هذه الفرائض المطلوبة، أو يؤديها على نحو سيئ قليل الجدوى. وبهذا العوج مع النصوص المحددة يعتبر عاصيا. ص _102