عندما استنكرت ترحيب الشباب بالعبث، وإقبالهم على اللهو، ظن بعض الناس أن الدين يفرض على أتباعه العبوس، ويصرفهم عن المرح، ويشيع في جنبات الدنيا الكآبة والحرج .. وهذا ظن باطل منكور. فإن الدين يصنع مجتمعا متوازن المشاعر، حسن التوزيع لمطالب المعاش والمعاد، يجيد فهم الدنيا، ويجيد جعلها مهادا حسنا لليوم والغد. لقد قيل: إن من لا راحة له لا عمل له! ولقد أدركت أن التعب الموصول يمنع الإتقان ويشل المواهب، وأنه لابد من قدر من المرح والبشاشة كى يقبل المرء على واجباته ناشطا متجددا. وأكاد أحكم بأن الراحة فريضة حتى يؤدى بعدها الواجب على خير وجه، وأن اللهو الذى يعين على الحق ليس من الباطل المستهجن، بل هو وسيلة محتومة للعدل والإحسان. وعندما أسمع وصف الشعوب في أوروبا وأمريكا أرى أن القوم في أيام عملهم لا يضيعون لحظة في لغو، وأنهم يتجهون بطاقتهم كلها إلى الإنتاج ويتصبب جبينهم عرقا وهم مستغرقون في أداء ما عليهم كأنما خلقوا من مارج من نار .. فإذا انتهى وقت العمل استسلموا لما ألفوا من لهو، ثم عادوا إلى عملهم .. وهكذا دواليك ... أما الأمر في الشعوب المختلفة فعلى العكس، ليست الراحة وسيلة العمل والكدح، بل هى تطلع نفس فارغة إلى مزيد من اللذة والخمول. وليس العمل لحظة استغراق في الجد، ولكنه وجه آخر من الفراغ تنشطر فيه النفس البشرية انشطارا غريبا لتقوم بالعمل على نحو صورى لا روح فيه ولا إخلاص ولا ابتكار .. والشعوب عندما تنحدر إلى هذا المستوى تخلط خلطا معيبا بين جدها وهزلها أو بين راحتها وشغلها .. !! ثم هى فيما تحرص عليه من لهو لا تقف عند حد معقول، ولا تحجزها تعاليم الدين عن طلب الحرام والتوسع فيه. ص _231