بل قد تزداد العلة جسامة، فتدهم الأمة مصائب وهيبة، وبدلا من أن يصدها ذلك عما تعشق من متع توغل في طلب اللهو، كما ينشد الخمور المزيد من النشوة حتى يفقد وعيه وينفذ فيه قدر الحكيم الخبير. وقد مرت بالمسلمين الأولين أعصار من هذا اللون الزرى، فقدوا فيها رشدهم، وأترفوا في عيشهم، وناموا في فراش اللهو على حين استيقظ عدوهم يكدح ويعرف وجاءت نتيجة هذا التناقض صارمة، كأنما نزل فيهم قول الله عز وجل: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون * وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) . ومعنى الآيتين الأخيرتين واضح، فإن العلل الاجتماعية قد تكمن في بناء الأمم كمون الجراثيم في أجسام الأفراد، وذلك إلى أجل محدد تضعف فيه المقاومة ويستفحل فيه الشر، وعندئذ تدق الساعة مؤذنة بالانهيار! وهل سقطت الدولة الإسلامية مرارا إلا بهذا البلاء المبين؟ ومن هنا، كان جوار المصلحين بمراقبة تيارات اللذة، والحيلولة دون تحولها إلى سيل عارم يأتى على الأخضر واليابس، بيد أن دعوات المصلحين قد تضيع في جنون الانحلال، وسعار الشهوة. من ربع قرن تقريبا سجلت هذه الخاطرة أعيدها إلى الأذهان. علم العرب والعجم والإنس والجن أنه كان للمسلمين ملك طويل عريض في ديار الأندلس! عمرت به حينا، ثم حرمت منه وحرم منها، وانطوت بطون التاريخ على ذكرياته الحلوة والمرة! وقد يحدث أن ينبش المسلم الثرى عن رفات هذا التاريخ المدفون فإذا هو يطالع من أنبائه ما يذكر بقول القائل: ابك مثل النساء ملكا تولى لم تحافظ عليه مثل الرجال ص _232