ولكن الأستاذ الأديب محمد أسعاف النشاشيبى- جزاه الله- لا يرى بعد أن يطالع التاريخ الأندلسى البكاء مع النساء، بل يرى الرقص مع النساء! ويقول:"الرقص شىء حسن لا يجادل في حسناته وفضائله مؤمن". وطبيعى أنه يقصد بالإيمان شيئا آخر غير الإيمان بالله ورسوله، أى غير الإيمان بالإسلام وفضائله وحسناته. فلما أعوزته الشواهد على صدق رأيه، ذهب إلى كتاب"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"لينقل لنا صورة من صور الخلاعة والتهتك الذى جنح إليه بعض الأمراء والوزراء الأندلسيين في عصور انحطاطهم وتحللهم الذى لم يزل بهم حتى أحلهم دار الهوان. ذهب الأستاذ الأديب إلى كتاب نفح الطيب فأخرج منه القصة الآتية:"كان المنصور بن أبى عامر (سلطان الأندلس) قد عزم في يوم على الانفراد، فأمر بإحضار من جرى رسمه من الأدباء والندماء، وأحضر الوزير"أحمد بن شهيد"في محفة لنقرس كان يعتاده وأخذوا في شأنهم. فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله، وطما الطرب، وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا، وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد. فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عباس، فجعل يرقص وهو متوكىء عليه، ويرتجل، ويومىء إلى المنصور وقد غلبه السكر: هاك شيخا قاده عذر لكا قام في رقصته مستهلكا لم يطق يرقصها مستثبتا فانثنى يرقصها مستمسكا عافه عن هزها منفردا نقرس أخنى عليه فاتكا من وزير فيهم رقاصة قام للسكر يناغى ملكا؟ أنا لو كنت كما تعرفنى قمت إجلالا على رأسى لكا قهقه الأبريق منى ضاحكا ورأى رعشة رجلى فبكى". ونحن نذكر القصة آسفين، ليرى القارئ في ثناياها أطراف مأساة كابية، تصرخ بأسرار الانهيار الذى أصاب بناءنا، وتفصح عن أسباب الهزيمة التى طوت عن هذه البقاع أعلامنا. ص _233