كان يمشى وئيد الخطا، يهز عصاه بيمناه، ويقذفها أمامه بحركة رشيقة، ويقذف قدمه خلفها في توقيع موزون متسق، وعلى عينيه منظار أزرق، يخفى بلونه الزاهر ما وراءه من ذبول وعلى جانب فمه سيجار أنيق، لا تعرف كيف يتكلم وهو باق في وضعه هذا. وحدث عن معالم الكبر التى تتدفق من شعره المصفف إلى حذائيه اللامعين! كأن ما على جانبى الشارع من قصور شاهقات هى ملك يده، أو ميراث أجداده الأمجاد .. سرت قريبا منه وأنا أحاول إطالة النظر إلى هذا الشاب الذى يمثل الآلاف من الشباب المفتون! وحاولت أن أتعرف دخيلة نفسه خلال هذه الحجب المصنوعة التى اختبأ بينها ونظرت إليه وأنا أتصنع البلاهة والتجاهل! ولكنى لم أجد شيئا في هذه الدمية المتحركة يستحق الاحترام. ماذا وراء هذه الجبهة المتألقة من تفكير وفهم؟ لا شىء. ماذا وراء هذا الصدر المزدان من إيمان ويقين؟ لا شىء. ما الذى يكسبه الوطن الفقير إلى الرجال من هذا الرجل الذى صنعت أكثره الزينات المتكلفة؟ إن المضحك في أمر الكثيرين عندنا أنهم أخذوا من الحضارة الأوروبية أتفه ما فيها وجعلوه أخطر ما عندهم. السيجار الإنكليزى يأخذ طريقه إليهم قبل الخلق الإنجليزى، والمنظار الأمريكى الأزرق هو كل ما خلب ألبابهم من الإنتاج الأمريكى و .... و ... نعومة المظهر الوادع هى كل ما يدركونه من دماثة الحضارة ورقتها. . ص _229