لا يجوز أن تستخدم فضائل الإنسان ضده، وعلى المرء أن يتحرى الأوضاع التى يقف فيها، أو ينساق إليها. حتى لا يأتيه الشر من حيث يتوقع الخير. إن الكرم فضيلة يحمد الإنسان بها.، ولكن الكرم إذا كان بابا يأكل منه الكسالى والقاعدون. فيجب أن يراجع الإنسان نفسه قبل البذل والعطاء. وإن الوفاء خليقة يمدح الرجل عليها، فإذا كان الوفاء وسيلة لانتصار اللئام، وانتفاع الخبثاء، فيجب أن يحاسب الرجل نفسه قبل إنفاذ كلمته، وإمضاء العهد إلى مدته. ولا أعنى بذلك التخلص من قوانين الأخلاق- معاذ الله- وإنما أريد لأحرم الأوغاد ثمرات المحامد التى يكفرون بها، أو لعلهم يظنون الغفلة بأصحابها، أن أعمل بالأثر الكريم"لست بخب ولا الخب يخدعنى". في الجهاد اليائس الذى قام به البطل المصرى الفلاح"أحمد عرابى"ضد الإنجليز، انتهى الأمر بهزيمة ساحقة، ماذا كان سببها؟ سببها أن"عرابى"وثق بكلمة الأفاق الفرنسى"دى لسبس"وترك القناة مفتوحة، فبعد أن دحر الإنجليز في كفر الدوار، وولوا مدبرين، جاءوا عن طريق القناة، وألحقوا بنا شر الهزائم، ولا يزالون معسكرين حول التل الكبير منذ هزمونا إلى اليوم. وقد اعتبرنا وفاء"عرابى"لدى لسبس غفلة يلام عليها أشد اللوم. وأجمع النقاد على أن وفاءه هنا كان خطأ كبيرا. ومع ذلك فالخطأ الذى وقع فيه"عرابى"مع"دى لسبس"هو نفسه الخطأ الذى وقع فيه العرب مع الأفاك السويدى"كونت برنادوت". ص _224