يروى المؤرخون أن عبد الله بن أبى السرح ارتد بعد إيمان والتحق بمشركى مكة يزعم لهم أنه كان يفتعل الوحى مع محمد، وأن القرآن كتاب من عند الناس لا من عند الله. وظاهر أن الرجل بهذه الفرية المهينة يسىء إلى الإسلام وأهله ويشن على الله ورسوله حربا آثمة، فلا جرم أن يحكم النبى عليه بالموت، وأن يهدر دمه عام الفتح مع أمثاله من المجرمين الذين لا يستحقون شرف الحياة في مجتمع نقى. وشاع نبأ هذا الحكم الواجب النفاذ، والذى لا يجوز أن يتراجع أمامه أحد. إلا أن عثمان بن عفان- وكان أخا لعبد الله من الرضاع- طمع في استصدار عفو من رسول الله عن قريبه المخطئ، فاقتاده إلى مجلس النبى يعتذر ويستأمن. وسكت الرسول وهو يتذكر عظم ما اقترف هذا الكذوب في جنب الله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) . ولم يجب عثمان إلى ما طلب من عفو عنه. بيد أن عثمان عاود الرجاء حتى استحيا الرسول من رده خائبا فعفا عن عبد الله وآمنه. وبدا من حاله ومقاله- صلى الله عليه وسلم- أن الرجل كان أهلا للعقوبة جديرا بالقتل، فقال له بعض أصحابه: هلا أومأت إلينا بعينك فعاجلناه بالقصاص؟ فقال النبى- صلى الله عليه وسلم- هذه الكلمة النبيلة:"ما كان لنبى أن تكون له خائنة الأعين".. !! إن أصحاب النفوس الشريفة لا يحسنون أعمال الظلام، ولا تتفاوت مسالكهم الجلية والخفية، ولا يلجئون إلى الغمز بالعين تسترا على نية يخشون اكتشافها، أو يؤثرون كتمانها. ص _172