هل جلست يوما تستمع إلى (الراديو) يذيع على الناس اللهو والشجو والحق والباطل؟ لقد ضبطت أزراره على المصدر الذى يرسل ذلك بحيث يخرج الصوت سليما واضحا. ثم تركت الآلة المضبوطة تستقبل ما يصل إليها، وتملأ به الآذان الواعية أو الغافلة .. لو أنك أدرت بعض المفاتيح في هذه الآلة العجيبة وملت بها يمينا أو يسارا فإنك إما تسمع صوتا أجش منحرفا مزعجا، وإما أن يختفى الصوت وتنقطع أنفاسه فلا تسمع لا همسا ولا صياحا. وسيبقى الصوت أجش غليظا ما بقيت الأزرار مائلة عن وضعها الصحيح، وسيبقى خامدا صامتا ما ظلت مفاتيحه موصدة. ولن تعود إلى السماع الهادئ الرتيب حتى تعيد الجهاز إلى ما كان عليه من ضبط متقن دقيق ... إن قلوب البشر في التقاط الحقائق كبراها وصغراها كهذه الأجهزة الحساسة وهى كذلك في أدائها وقرع الآذان بها. يوجد أقوام تنطبع في نفوسهم الحقيقة كاملة. فإذا تحدثوا كان كلامهم مصداقا لها، وإذا عرضت لهم قضية كان فصلهم فيها تجاوبا تاما مع الحقيقة السارية في الكون. وقد أنصف القرآن اليهود بأنفسهم إذ أبان أن منهم ذوى قلوب تنجذب إليها الحقيقة، فهم يتحدثون بها ويحكمون: قال عز وجل: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) . ص _163