المؤمن المخلص لا يصنع شيئا ابتغاء أن يذكره الناس في محياه أو في مماته، وإن كان حسن الذكر جائزة معجلة لمن يقومون بالحق، ويقيمون الناس عليه. إنهم قد يلقون العنت والإنكار أول أمرهم، ثم لا يلبث الغبار المثار أن ينجاب والفضل المنكور أن يثبت، ثم تثوب الحياة إلى رشدها وترد الحقوق إلى آلها. روى أحمد ومسلم عن أبى ذر أنه قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه، ويثنون عليه به؟. فقال:"تلك عاجل بشرى المؤمن". وقيل: إن هذا تفسير الآية الكريمة: (الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم) . وقد كان"حسن البنا"من أولئك الرجال الذين يظهرون في التاريخ على ندرة. ويحدثون بمسلكهم الفذ موجات جارفة من الحركة والتجديد والمغامرة، فيضيق به من يضيق، ويهش له من يهش، ثم يميز الله الخبيث من الطيب، ويستخلص الحق من الشوائب العالقة به، فيعرف البشر جهد الجاهدين لهم، والعاملين لخيرهم، وتلهج ألسنتهم ثناء وتنويها بأمرهم. ولحسن البنا- كغيره من قادة الدعوات- مادحون وقادحون، بيد أن أشد الناس له بغضا لا ينكر المواهب الجليلة التى أضفاها القدر عليه. وأنت قد تخاصم شخصا فتحتقره لتفاهته، وقد تخاصم آخر فلا تملك إلا الاعتراف بميزاته، والإكبار لخصائصه، مهما اختلفت معه في تقويم الأشياء وتقدير الأشخاص. ص _209