فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 251

المسلم عبد للإله الواحد، الذى خلقه ورزقه، وجعل له الأرض فراشا والسماء بناء، ورسم له غايته من محياه، وعقباه بعد مماته، ثم قال له ولإخوانه المؤمنين: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) . وليست بقعة الأرض أحق من أخرى برسالة المسلم؟ ولن يكون المسلم عبدا لمكان ما في هذه الدنيا يعلق بترابه ويرتبط بأسبابه!! إنما هو ابن رسالته الكبرى، وهذه الرسالة الكبرى تربط فؤاده بالناس ورب الناس، وتوسع أفقه حتى يتسع للعالمين ورب العالمين. إنه يحب وطنه الذى ولد فيه، واستمتع بخيره وعاش قطعة من تاريخه، وهو يؤدى حقوق هذا الوطن ويستشعرها أكثر مما يستشعرها غلاة المتعصبين للنزعات القومية المحدودة. لكنه- مع ذلك- يخدم حقيقة أكبر من أقطار الأرض وآفاق السماء، لأنه يصل قلبه ولبه برب الأرض والسماء، ومن ثم انداحت الدائرة التى يعمل فيها، وذابت الحدود التى تحصرها. وقد عرف سلفنا الأولون هذه الحقيقة وبنوا عليها سلوكهم الاجتماعى والسياسى، فكان علم"الجغرافيا"يسمى في مصطلحهم"علم تقويم البلدان"كأن الغاية من دراسته هى الغاية التى تقصدها من مطالعة"دليل"تشتريه من محطة السكة الحديد لمعرفة المحطات المختلفة، ومواعيد وقوف القطار بها، وكان المسافر ينزح من المغرب ليصل إلى الصين فلا يحمل معه لا"جواز سفر"ولا يلقى أمامه"حرس حدود"، وكان نصف الدنيا مفتوحا له ينتقل في مشارقه ومغاربه كيف شاء، ص _050

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت