وكانت نظرته للعالم تجرئه على التسرب في مجاهيله والتغلل في أعماقه، فإذا اطمأن به المقام في ناحية حط بها رحاله وفى نفسه قول الشاعر: وكل امرئ يولى الجميل محبب وكل مكان ينبت العز طيب ولاشك أن هذه الحياة المتحركة كانت استجابة لتعاليم الإسلام وفهما لسنة رسوله الكريم. روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: مات رجل بالمدينة- من ولد بها- فصلى عليه رسول الله، ثم قال:"يا ليته مات بغير مولده!!"قالوا: ولمَ ذاك يا رسول الله؟ قال:"إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة". فانظر إلى هذا التحريض على الهجرة والضرب في الأرض، من الذى استجاب له واستمسك به؟ أنحن الذين صنعنا ذلك؟ كلا! إن المقامرين من طلاب الحياة وصناع المجد، هم الذين طوفوا في البلاد، وتركوا طابعهم عليها. أما القاعدون خلف أسوار بلادهم، فقد استكانوا للدعة والخمول، ومرت عليهم القرون متهالكة مريضة .. ثم استيقظوا فجأة فإذا هم أسارى في أيدى الأقوياء، الأقوياء الذين تركوا بلادهم إلى بلادنا مستعمرين ينشدون الثروة والجاه. نظرت لبنى وطنى في هذه الأيام، فهززت رأسى أسفا! ما دهاهم حتى قبعوا في أماكنهم لا يفكرون في هجرة ولا رحلة؟ بل يحسبون الانتقال من بلد إلى بلد غربة يستحب البكاء معها!! وتجاوز الأمر إلى أن المواطن أصبح يحب أن يبقى مواطنه إلى جواره حيا، فإذا مات أحب أن ينقل رفاته إلى جانبه!! لأنه يعز بعاده و لو صار من الهالكين .. ! أسمعت إلى بكاء الأهلين على شهدائهم في فلسطين! أسمعت إلى جؤارهم بالشكوى وهم يصيحون لكى تنقل جثث أحبائهم إليهم، من غزة إلى مصر؟ ما هذا يا قوم؟ ص _051