كنت عندما أمر على الصفحات المنطفئة التى تروى قصة دخول الإنجليز مصر، وعندما أغمض العين على القذى وهى تدور بين صور متلاحقة من مشاهد الهزيمة الرخيصة، والخيانة الداعرة، وعندما أطوى الجوانح على حسرات مكظومة للبطولة المضرجة بالدم، والمروءة الممرغة في التراب، ثم أطويها مرة أخرى على سخائم سود للأنذال الذين ضحكوا في مأتم البلاد وبنوا مجدهم الدنس على أنقاضها. وكنت عندما تغمرنى الذكريات الكئيبة، وتبسط أمامى رقعة الصحراء، وخيام الجيوش، وهمس المتأمرين، وذهب الإنجليز، ومطامع الوثنيات السياسية وآمال الطليعة الحرة، وعندما تجيش بالنفس مشاعر الثبات والوفاء، فتبقى- مع الخيالى- لتبيد مع الفرقة التى فنيت عن آخرها وهى ترد العدوان، وعندما أصحو على الواقع الخزى فألمح اللصوص الحمر يتواكبون سراغا إلى القاهرة المقهورة، بعدما ذبح جيشها وسقط علمها. كنت عندما أستعرض تاريخنا في هذه المعركة وما أدى إليها، وما تمخض عنها، أنفض يدى منه وأشيح بوجهى عنه، لا لشىء، إلا لأنى أنوء برؤية الرجولة تصرع، ثم تلطخ ملامحها النبيلة بالأوحال، كما أنوء برؤية الخيانة تسمو، ويتوج رأسها بالأ كاليل والأزهار. ألا لعنة الله على هؤلاء الإنجليز، ومن أتى بهم إلينا، ومن مكن لهم بين ظهرا نينا. لو كانت الجبهة المصرية وراء الجيش المصرى بالتل الكبير متماسكة لاتنقضها فرقة، نظيفة لا تلوثها خيانة، لاندحر الإنجليز وردمت قناة السويس بجثثهم، وخرج جيشنا من هذه المعركة رافع الرأس منير الجبين. ص _054