منذ أعوام دونت هذه الكلمات في مذكراتى."المؤمن يستهدف لنقمة الله قبل أن يكرس حياته لنيل السعادة في هذه الدنيا! ألم يسلبه إيمانه النفس والمال؟ ألم يرخص علية الوالدين والأولاد والأهل؟ لم يحرمه لذة الوداعة في نيته، والاطمئنان إلى رزقه؟ إنما يجب على المؤمن أن يحرص على سعادته في الدار الآخرة وهو- رضى أم كره- لن يظفر بسعادته المنشودة إلا في جوار الله وحده". وقد عدت الآن إلى مطالعة هذه الكلمات. وتبينت أنى سطرتها في ساعة من ضغط الحوادث ومعاركة الآلام، و لكن بها حقائق ثابتة على كل حال، حقائق مستوحاه من لب القرآن وهدى آياته، حقائق لا ينبغى إهمالها، ولا يجوز أن تكون حياة المسلم بمعزل عنها. وقد سكت نفسى بعد قراءة ما كتبت من أعوام، هل كنت وقافا عند حدود ما كتبت؟ وهل جافيت متع الحياة، وحاذرت دسائس الجاه والمال وخاصمت رغائب العيش الرغيد؟ وهل وطنت النفس على تحمل الآلام، والاستعداد للتضحية والرغبة فيما هو خير وأبقى مما نواجه ونعالج من آمال ومطامع؟ ولم أكن متحمسا في الرد بالإيجاب على كل هذه الأسئلة، بلى شعرت بالخلل والتقصير في غير ناحية من نواحى حياتى، وأدركت بنفسى حرصا خفيا على أشياء كثيرة، إن جاز التطلع إليها فليس يجوز الحرص عليها. وعدت إلى نفسى أسائلها عن السر في هذا المسلك حتى اهتديت!! إن حرص الإنسان على استشعار السعادة والاستقرار أمر لابد منه، ونحن إذا كلفناه بأن يتعالى على لذائذ الدنيا، وألا يهش لها، فيجب أن يكون لدينا تعويض كامل نقدمه له، ليشعر نفسه بالسعادة والاستقرار، حتى إذا فاتته اللذة المادية، لم ص _238