فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 251

تبعت السباق الذى جرى هذه الأيام في نهر النيل. وأحصيت السباحين المهرة وهم يغالبون الموج، ويجالدون التيار، ويحاولون شق طريقهم في حماسة وعلى عجلة ليبلغوا الغاية البعيدة. كم يقاسون من سبرات البرد، واتصال العوم، وطول الشقة!! إن بعضهم هزمه الإعياء فانسحب، وبعضهم كابر المتاعب الباهظة حتى أخرج من الميدان إخراجا، وبعضهم كبت الضنى في أعصابه وظل يرمى بصدره إلي الأمام حتى وصل إلى شاطئ النجاح وهو يلهث وينوء. هذا السباق في نهر النيل ذكرنى بالحياة نفسها، وما يتمخض عنه الليل والنهار من سباق هائل بين جماهير البشر. . بين الأفراد سباق على أهداف محدودة. وبين الأمم والمذاهب سباق على أهداف أكبر وأهم. وفى المجرى الدائم لهذه الحياة المصطخبة المائجة قد يلفظ اليم بعض الناس غرقى، وبعضهم منسحبا قد غلبه الروع أول الطريق، وبعضهم متهالكا والغاية منه على مدى سهم، وبعضهم ناجيا يطلب مكافأته وهو باسم قرير. ومن قديم وأولو الألباب يعرفون هذه الحقيقة، فإذا شاركوا في هذا السباق القائم أعدوا له عدته، واستكملوا أهبته، ثم رموا بأنفسهم في العباب الزاخر، وملء قلوبهم الأمل في إدراك قصب السبق. وقد سخر شاعر حكيم من متسابق في هذه المباراة وهو واهن خائر فقال له: دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا فكابروا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا لا تحسب المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ولكن لعق الصبر، وتحمل مرارته، لا يستطيعه ولا يستسيغه كل إنسان. ص _205

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت