فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 251

الأمم كالأفراد، إذا أحست في كيانها فضلا من قوة ومزيدا من نشاط، اتسع مجال حركتها، وامتد نطاق عملها. وكما أن المرء الواسع الطاقة لا يهدأ، بل يصرف الكامن من قواه في أى عمل يواتيه، وقد يبحث عن المشاق إذا لم يلقها في طريقه، فكذلك الشعوب التى تضاعفت أنصبتها المادية أو الأدبية. إنها لا تنحسر وراء حدودها إلا ريثما تتجمع في فيضان دافق، يكتسح السدود، ويطم الآفاق. وتاريخ العالم يسجل ضروبا من المد والجزر لهذا الجهد البشرى المذخور، زحف بعد زحف، وفتح بعد فتح، يقوم بعضه على التفوق العسكرى المحض، ويقوم البعض الآخر على الرجحان الأدبى الخالص، وقد يمتزج المعنيان بنسب متفاوتة فيكون اتصال الأمم القوية بغيرها على حساب الفضائل حينا، وعلى أساس المنفعة المشروعة حينا آخر. ولن نستقرئ في هذه الكلمة أنواع الفتوح التى تركت أثرا ذا بال في تاريخ العالم، بل سنقارن فحسب، بين الفتح الإسلامى الأول، والاستعمار الغربى الأخير. بدأت موجة المد الإسلامى من قلب جزيرة العرب، في بقعة من أرض الله لم تكن قبل الإسلام شيئا مذكورا، والعرب جنس له مزاياه النفسية وخصائصه العقلية، وما من جنس إلا وله محامد تذكر له، إلا أننا نستطيع الجزم بأن العرب- لولا الإسلام- ما كانوا ليقوموا بذرة من هذا الذى صنعوه للعالم بعد ما أصبحوا حملة رسالة وصناع حضارة .. والحق أن هذا الانبعاث الخطير جاء فوق سنن الحياة المألوفة. ففى هذا المكان الصامت الموحش، المعزول عن المدنيات الصاخبة ومواكب العمران المائجة، في هذا المكان شاءت العناية العليا أن تظل ربع قرن تربى القبيل الذى سيوجه الأجيال، وتعبئ الجيش الذى سيهزم الأفيال. ص _016

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت