وقد بوغتت الدنيا بأولئك العرب يخرجون من أعماق الصحراء في إعداد محكم متتابع أخذ يمتد حتى استوعب المعمور من الدنيا يومئذ، والعرب المنطلقون من صحرائهم لبثوا مع رسول الله نحو ربع قرن، لقنهم فيها دروس السماء النازلة مع الوحى، وزودهم بطاقات فكرية وعاطفية جبارة، سمت بمستواهم المادى والأدبى حتى أصبحوا أعز جانبا وأصح تفكيرا، وأنقى قلوبا من جماهير الروم والفرس. ومن الغفلة أن تحسب انتصار المسلمين الأوائل ضربا من التفوق العسكرى المفاجئ، فإن الذى يدرس كيف صاغ الإسلام العرب وكيف استهلكت الأنظمة الفاسدة غيرهم من الأحياء، يدرك أن كفة العرب كان يجب أن ترجح، وأن هذا الرجحان مظهر لتطور العالم نحو حياة أرقى، أو قل: إنه عمر جديد لدنيا أشرفت على الاحتضار والانهيار. وثمة ظاهرتان يلمحهما المرء في سير الفتح الإسلامى: أولاهما: أنه مثالى مبرأ من المطامع، فإن روح النبوة التى دفعته اشترطت أن يكون بعيدا عن مفاتن النفس وأدران الشهوات. روى أبو داود عن أبى هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من الدنيا! فقال رسول الله:"لا أجر له". فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عد إلى رسول الله فلعلك لم تفهمه، فقال الرجل: يا رسول الله .. رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغى عرضا من الدنيا قال:"لا أجر له". فأعظم ذلك الناس وقالوا: عد لرسول الله، فقال له الثالثة: رجل يريد الجهاد وهو يبتغى عرضا من الدنيا، فقال:"لا أجر له"!. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله:"ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل الله فيسلمون ويصيبون إلا تعجلوا ثلثى أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتخوف وتصاب إلا تم أجرهم". وفى رواية:"ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من الآخرة، وببقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم". ص _017