هل التربية التى يأخذ الإسلام أتباعه بها تتطلب مرحلة من الإعداد والتكوين تشبه المراحل التى يجتازها الطلاب في معاهد التعليم قبل أن يتولوا وظائفهم في الحياة؟ أظن أن هذه التربية لن تبلغ تمامها، ولن تستقيم على نهجها، إلا إذا خرجت بأصحابها من الصومعة التى يتحنثون فيها، والتقت بهم وجها لوجه مع مشكلات المجتمع ومفاتن الدنيا!! أعنى أننى إذا أردت تكليف أمة ما أن تجاهد لنيل حق، وأن تلتزم جادة الصدق، ومشاعر الإخلاص في جهادها فالطريقة المثلى، أن تخوض مع أعدائها حومة الكفاح المر. وفى الساحة الواسعة يمكننا أن نغرس في النفوس ما نطلبه من إخلاص وصدق، لا أن نؤخر التقاء الجمعين حتى تنضج الأخلاق التى نصبوا إلى تكوينها بأسلوب مدرسى رياضى، يشبه مسالك القدامى من المتصوفين! كان النبى -صلى الله عليه وسلم-يتبع الطريقة الأولى، فهو يجعل من القيام بأعباء الرسالة وسيلة فهمها وخدمتها وإنجاحها، فإذا علم الناس الوضوء أو الصلاة، لم يفتح لذلك مدرسة تنظم حصصها، وتلقى فيها المحاضرات الطوال، بل كان توضؤه وإقامة الصلاة والأسلوب لجمع الناس على الوضوء والصلاة، وعلى هدى المنهج العملى تصحح الأفكار الخاطئة، وتكمل المعلومات الناقصة. وإذا أراد نصرة دعوته لم يحدثهم طويلا عن أساليب الجهاد الناجح وشرائط إحراز الثواب المأمول، بل قادهم فعلا إلى الساحات الحامية. وعلى حرارة ما يعالجون من أحداثها، ويقاسون من كربها كان يقول لهم:"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل". ص _222