تشريف الإسلام للعرب حقيقة تاريخية وحضارية لا يمارى فيها عاقل، فقد كانوا قبل امتنان الله عليهم برسالته أمة منقوصة القدر، مهيضة الجناح، ليس لها في مجال التفوق العالمى أثر يذكر. فلما قادها محمد على الطريق المستقيم، ورفع مستواها الروحى والعقلى وعرفها: ما الكتاب والإيمان؟ تحولت برسالته الكبرى إلى أمة أخرى، تقود ولا تقاد، وتعطى ولا تأخذ. وارتقت من مكانة التابع الذى يتلقى فضلات الآخرين إلى مكان المتبوع الذى يرجى خيره، ويلتمس رضاه.! ولسنا نزعم أن الإسلام ثورة عربية أو نهضة قومية، كلا، فهو رسالة عالمية شاملة يتآخى فيها أبناء آدم قاطبة، وتيسر لكل إنسان في القارات المعمورة زكاة نفسه، وسمو خلقه، واستقامة فكره، في ظل علاقة وطيدة بالله وتعاليمه! ولكن لا ريب أن العرب باصطفائهم لهذه الرسالة، وتشرف لسانهم بآيات الكتاب، ومنطق النبوة ... ثم بجهاد الأصحاب والتابعين من أسلافهم لنشر الدين ودفع العدوان عنه، لاشك أن الإسلام يبوئهم مكانة ممتازة، ويوفر لهم أستاذية مرموقة يجب أن يكونوا أهلا لها، وأن يستعدوا ماديا وأدبيا لحمل أعبائها ... فهل وعى العرب كلهم هذه الحقيقة الاجتماعية؟ لا للأسف فإن منهم في القديم والحديث من انتصب سدا منيعا أمام سير الإسلام، وزحف قافلته إلى الأمام!! وإن منهم من بذل النفس والنفيس ليطفئ نور الله ويحول بين العرب وبين اعتناق هذه الرسالة والتجارب مع أهدافها. . ص _183