من الناس من يظهر على صفحة الحياة، ثم يختفى كالرغوة التى تصنعها الأمواج في عراكها الدائم مع الرياح. ومنهم من يزود بقوى أكبر، ومواهب أبرز، فيمر بالدنيا ثم ينسلخ عنها وقد ترك آثارا تدل عليه وتحمل طابعه، تبقى بعده حينا، ثم تدركها طبيعة الفناء بعد أيام أو أعوام أو أجيال، فتتلاشى وتبيد!! تتخلف الآثار عن أصحابها حينا ويدركها الفناء فتتبعُ وهناك طائفة أخرى من الناس طرقت أبواب الوجود، وانسابت مع تيار الحياة المتجدد، ولاحقت موكب الزمن المنطلق فبقيت على حين فنى غيرها. ومازالت بعد قرون متطاولة على موتها المادى تعيش بيننا، توجه الأحياء إلى الخير، وترسم للحائرين المنهج، وكأن فكرها الثاقب، وقلبها الخافق، وصوتها الجهير، لم يعد عليه البلى، وتطوه جنادل القبور. أحق الناس بالذكر من هؤلاء رسل الله الذين يبلغون رسالات الله، ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، وأحق أولئك جميعا بأن تدرس حياته وتترسم خطاه وتتعلم عنه وتتبع هداه، صاحب المجد وجماع عرا المجد محمد بن عبد الله! إن هذا الاسم الكريم"محمدا"لم يصبح علما على شخص ولد في سنة معينة ودرج في بلد معين، بل أصبح حقيقة من حقائق الخير السارية في الأزمنة على تواليها، والأمكنة على تغايرها فما يختص به عصر دون عصر، وما تنفرد به عاصمة دون عاصمة. لقد أصبح عنوانا على المثل التى تصنعها الخيالات، ويستهدفها كل سائر إلى الكمال. ولئن كان علماء الأخلاق يرون"المثل الأعلى"الذى يجرى الإنسان نحوه وهو ص _073