من أشد المشكلات التى أواجهها في عقليات العامة، ما هبط إليها على مر القرون من المسائل الخلافية الشائكة، ومن الحقائق الفلسفية الخطيرة. فعن طريق جهلة المتصوفة، عرف هؤلاء العوام شيئا من مشكلة وحدة الوجود. وربما رأيت الرجل منهم يضيف إلى القليل الذى يعرفه عن نواقض الوضوء قليلا آخر من الأقاصيص التى وضعها القائلون بالحلول، أو الخابطون في فلسفة الإغريق. ونتيجة هذا الخلط أنك ترى رجلا شديد الغباء،- شديد الادعاء، سيئ الفهم والتصرف كالطفل الذى لا يخرجه عن طور الطفولة ما قرأه من روايات وحكايات. وجدت مرة أني كنت أحذر الناس من جريمة القتل، وذكرت عقاب من يرتكبها (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) فإذا رجل: يصيح: هل الخلود على جهة التأبيد؟ فعرفت أن في دماغ الرجل كلاما من علم"الكلام"، وأنه وصل إليه طرف مما دار من جدال بين كبار العلماء في هذا الموضوع. فتألمت فإن ما أودع الله في آياته من تربية وتوجيه، سوف تصد عنه النفوس بما تطاير إليها وبما يضرها ولا ينفعها من تأويل وتفسير!! فقلت للرجل، لا عليك! إن القرآن حكم بالتخليد، ولست أعرف ولا يهمك أن تعرف، أهو تهديد أم تأبيد.؟ ورجعت إلى نفسى- وأنا محنق- أتساءل: ماذا لو حددنا المعارف التى تلقى إلى الجماهير؟ وحصرنا الدائرة التى يفهمون فيها الكتاب والسُّنة، وتركنا الترف العقلى يأخذ مجراه بين المتعطلين والمتبطلين؟ ص _240