هذه التعاليم جعلت صلة الفاتحين بالبلاد التى دخلوها منزهة عن نيات الاستغلال، بله أعمال السلب والنهب، التى عرفت في شتى الفتوح. والظاهرة الثانية: أن الفاتحين بذلوا جهودا متواصلة لرفع الشعوب التى اتصلوا بها إلى مستواهم المادى والأدبى، فمحوا الأنظمة الملكية الفاسدة التى سخرت الجماهير دهرا طويلا، وأقاموا قواعد المعاملة على أساس المساواة المطلقة، وأصبح الإسلام والعمل به محور التفاضل والتقديم من غير نظر إلى أجناس أو ألوان. بل إن عواصم الإسلام نفسه انتقلت من البلاد التى نبت فيها إلى البلاد التى استقبلته محررا ثم اعتنقته بعدئذ دينا، وأضحى أهلها أعطف على الإسلام وألصق به من العرب أنفسهم، ولا بأس أن ننقل هذه الفقرات للمؤرخ الإنجليزى"ويلز".. تحدث"ويلز"عن الإسلام في كتابه"معالم تاريخ الإنسانية"، فقال:"كان مليئا بروح الرفق والسماحة والأخوة، وكان عقيدة سهلة يسيرة الفهم!! كان غريزة مجسدة تحوى عواطف الفروسية في الصحراء، وكان يستهوى الغرائز الغالبة في تركيب الرجال المعتادين. وقد وقفت ضده اليهودية- وهى التى اتخذت من الرب كنزا تدخره لجنسها- ثم المسيحية، وهى تتكلم وتبشر آنذاك وبلا نهاية بالتثاليث والمبادئ والهرطقات التى لم يكن ليستطيع أى رجل عادى أن يميز فيها الرأس من الذنب. لم يكن الناس الذين جاءتهم دعوة الإسلام يهتمون إلا بشىء واحد، هو أن ذلك الرب الذى يبشر به الرسول كان- بشهادة ضمائرهم- رب صلاح و بر، و أن القبول الشريف لمبادئه وطريقته، يفتح الباب على مصراعيه على أخوة عظيمة متزايدة من رجال جديرين بالثقة، وسط عالم ملىء بالتقلقل و الخيانة والانقسامات الناضبة من التسامح. وقد أوصل محمد هذه المبادئ الجذابة إلى سويداء قلوب البشرية دون أى رمزية مبهمة، ودون أى تعتيم للهياكل، ولا ترتيل للقساوسة". وفى حديثه عن الفاتحين يقول:"التقوا بجيوش كبيرة منظمة، ولكنها جيوش جوفاء لا روح فيها ولم يحدث في أى"