فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 251

مكان ما يسمى بالمقاوهة الشعبية، فإن سكان الأراضى الآهلة لم يكن ليعنيهم قلامة ظفر أن يدفعوا الضرائب إلى"بيزنطة"أو"برسيبوليس"أو"المدينة". ص _018

فإذا فاضل الناس بين البلاط الفارسى والعرب- يعنى السلف الأول- كان العرب أنظف الطرفين وأطهرهما، كانوا أكثر عدالة وأوسع رحمة. وقد انضم العرب المسيحيون دون تردد إلى الغزاة، وكذلك اليهود وكما كان الحال في الغرب- يعنى جبهة الروم- كان كذلك في الشرق، إذ تحول الغزو إلى ثورة اجتماعية، ولكنها كانت هنا ثورة دينية لها حيوية ذهنية جديدة متميزة"ا. هـ ثم عدت الليالى على الإسلام! فانكمش بعد امتداد، وأمسى أهله قليلى الفقه فيه، ضعفاء الأخذ به، فتراجعوا عن مراكز التوجيه التى احتلوها آنفا، وفقدوا المزايا التى رجحت كفتهم على غيرهم من الدول الكبرى. والصلاحية لقياد الأرض لا تنال بزعم ولا وهم، فهى- قبل كل شراء- قدرة ذاتية على السبق تدعمها ميزات فريدة عقلية وعاطفية. وقد انتقلت هذه الصلاحية عن المسلمين منذ فترت علائقهم بدينهم، وبعد أن كانت الحياة تندفق من بلادهم فتهب العافية للمرضى، أصبحوا هم أنفسهم فقراء إلى من يأخذ بأيديهم نحو القوة والعلم والثراء! وامتلك الغرب الزمام المهمل، وتهيأت له الأسباب، فبسط سيطرته على العالم ووقع المسلمون بقضهم وقضيضهم كما وقع سائر أقطار الدنيا في براثن الاستعمار الغربي الجديد. وهناك ظاهرتان بارزتان في صلة هذا الاستعمار بالأمم التى دانت له: أولاهما: أن دواعى الفتح والإخضاع والاستكشاف كانت مادية بحتة، لا مكان فيها إلا للنفع الشخصى أو الدولى، أو الباعث المثالى الذى اقترن به الفتح الإسلامى الأول فلا أثر له البتة في هذا الغزو الحديث. البحث عن الثروة، أو الأمجاد الخاصة، أو بسط النفوذ المجرد على أوسع مساحة من الممتلكات، والعمل على تحويل البلاد المفتوحة أو المكتشفة إلى مزارع غاصة بالعبيد المسخرين لتصدير المواد الخام، تلك كلها طابع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت