الفتح الأوروبى الذى نجح في إخضاع العالم له، ونجح في التهام خيراته، ونجح في تحويل الجهد البشرى المبعثر في القارات الكبرى إلى أداة تصدر له المغانم وهو هادئ ناعم! ص _019
وقد تطاحن الفاتحون فيما بينهم على الاستئثار بهذه الأسلاب، ثم تهادنوا على اقتسامها، ثم هاجت بينهم المطامع فعاودوا الحرب. ولا تزال دوافع الشر تثير الحروب العالمية بين المستعمرين، ما إن تهدأ حتى تندلع، وسرها ما علمت، هو عراك الوحوش على أشلاء الفريسة! والظاهرة الثانية في الفتح الأوروبى: أنه إذا دخل بلدا ما فوجد فيه شعبا مظلوما، ونظامال فاسدا، وطبقة حاكمة باغية، دعم جانب البغاة وأبقى أسباب الفساد، وأوصد الأبواب على الجماهير المضطهدة، على عكس السيرة التى انتهجها الفتح الإسلامى الذى كان يقصى الطغاة أول ما يدخل، ويزيح العوائق أمام الشعوب لتتحرك وتتنفس وتنتعش، ويضع الخطة ليكون الفاتح أخا في الحقوق والواجبات مع صنوه الرومى أو الفارسى. والنزاع العنيف القائم بين البلاد المحتلة والمستعمرين الأجانب يرجع إلى نزعات الأثرة الفاحشة التى يصدر عنها أولئك المستعمرون. فالشعوب تريد أن تصلح شأنها وتستعيد حرياتها، وتنتفع من خيراتها، إنها تتلوى وتتأبى على القيود التى كبلت بها، وتحاول بشق الأنفس أن تنال قسطا أكبر من الكرامة والهناءة التى حرمتها. بيد أن الفاتحين الأوروبيين حرصوا كل الحرص على تأخير البلاد، وتحقير أهلها وإبقائها أبدا في منزلة التابع الذليل المحتاج من سيده المعتز بقوته، المدل بجاهه ومعرفته! ولو ألقينا نظرة عجلى على الأحوال التى تسود العالم اليوم لرأينا الدول المستعمرة والدول الضالعة معها تحارب طلائع التحرر في كل مكان، وتتضافر على إبقاء نصف العالم أو أكثر في منزلة مهينة .. والغريب أنه إذا علت صيحات المعذبين تحت وطأة الحكم الفرنسى فتساءل الناس عن علة هذا الصراخ، قالت فرنسا: إن هذه مسألة داخلية تخصها وحدها ولا شأن للآخرين