بها. وكذلك حال الأمم التى سقطت في براثن إنجلترا، وإن كانت الأخيرة أكثر احتيالا على الوصول إلى أغراضها وتسميم فرائسها. ص _020
ولا ينبغى أن ننسى أنها دخلت وادى النيل لتطفئ حركة الإصلاح الشعبى التى قام بها أحمد عرابى، وتمكن للفساد السياسى والاجتماعى المنبعث من القصر الملكى يومئذ. ولا ننكر أن الاستعمار الأوروبى أدخل على البلاد المفتوحة بعض الإصلاحات العمرانية، لكن دوافع هذا العمل لا تعدو زيادة طرق الاستغلال والامتصاص لحساب المنتصر قبل غيره. إن الحضارة الأوروبية في ميدان الكشوف المادية، والبحوث العقلية، وصلت إلى حد لا يتجاهل خطره، ولا يغمط قدره، وهى من هذه الناحية تعتبر ارتقاء إنسانيا كبيرا، ويجب أن نسجل لها هذا التقدم الذى برزت به القرون الأولى قاطبة. لكن أتراها بلغت عشر هذه المنزلة في صلاح الضمير ونصاعة الحلق؟ كلا كلا. إن الوحشية والقساوة التى اقتربت بزحف التتار والرومان لم تفارق الاستعمار الغربى الجديد، غاية ما تبدل أن الغزاة المحدثين نظموا وسائل السطو وزينوها وخدروا مواضع الألم بقدر كبير من المباذل والشهوات الوضيعة. ولم يعرف العالم فتحا أنظف يدا وأنبل سلوكا، وأسلم عقبى من الفتح الإسلامى القديم. إن الاستعمار الحديث بدأ سطوا واسع النطاق على بلادنا، واللص الصغير إذا ضبط متلبسا بجريمته لم يجد بدا من الاعتراف بها، والانتظار- في خزى- للعقوبة المترتبة عليها. أما دول الغرب التى دفعت بعصاباتها لاحتلال أرضنا، واستلاب حقنا، فهى تجد من القحة ما يجعلها تمارى فيما اقترفت من نكر، بل إنها قد تبرر فعلتها بما يقلب الأخذ عطاء، والباطل حقا، ولا عجب فكلمة الاستعمار نفسها لا تعنى إلا التخريب والدمار، و إن كان بناء الكلمة على نقيض مدلولها الذى نكبت به أقطار شتى. وقد نشأ عن ذلك أن الدول الغالبة بنت سياستها على التدليس والنفاق، وأقامت علائقها- بين بعضها والبعض الآخر، ثم بينها جميعا وبيننا نحن