ولكن الإنجليز مهدوا لاحتلال الوادى بما يجعل الغنم كله لهم، والغرم كله على أهله فحسب، وأعانهم الحكام المنافقون على إحكام خطتهم، فظفروا بمصر من غير أن يضحوا في الاستيلاء عليها تضحية تذكر، ووقع مفتاح العالم الإسلامى غنيمة باردة في أيدى الصليبيين الجدد بعد ما أعيى أسلافهم مناله، وبعد ما انهزم ملكهم"ريتشارد"هزيمة نكراء وهو يحبو على يديه وقدميه يبغى الوصول إليه. لم يخسروا من جنودهم أحدا، وهم أمام جيش هزمهم قبلا في كفر الدوار ورشيد، وردهم على أعقابهم خاسئين. أما اليوم وبعد سبعين عاما من المعركة الأولى فإن الإنجليز العتاة يختبئون في أبراج الدبابات، وينقضون بالطائرات النفاثة، ويطلقون مدافع الميدان الضخمة على من؟! على بضع مئات من أولى الفداء والنجدة، هبوا يقاتلون الألوف المسلحة بأحدث ما أنتج العلم، ويبثون في صفوفهم الرعب والفزع. وتأتي الأنباء تترى، فإذا خسائر الإنجليز اليوم أضعاف خسائرهم في موقعة التل الكبير التى جرت قبل سبعين سنة!! بين جيش وجيش. إن السلاح الفذ الذى أظفرهم علينا، بل الذى أظفرهم في حروبهم كلها هو الخيانة والدسيسة والمكر السيئ. فلما فقدوا هذا السلاح في المراحل الأولى للمعركة الحالية، ظهروا على طبيعتهم العارية جبناء كأخس ما يكون الجندى الجزوع الهلوع، واستبان للناس أن الإنجليزى لا يواجه المصرى في ميدان مكشوف إلا إذا كانت من فوقه طائرة تحرسه، ومن أمامه دبابة تحميه، وإلا إذا كان مجهزا بأثقال من الذخائر، وكان خصمه مع هذا كله أعزل إلا من خنجر، أو بندقية قليلة الطلقات!! وضربة الجبان شديدة، لأن فرقه على حياته يركز قوته فيها، ولأنه لا يطمع أن يضرب غيرها! وقد كانت ضربات الإنجليز في منطقة القناة من هذا النوع. ص _055