فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 251

إن وحشتكم لرحيل المجاهدين، وحسرتكم لوفاتهم وتلهفكم على استرجاع ما بقى من عظامهم، إن دل على شىء فعلى قصور الهمة وهوان التفكير، وإن إبداء هذه المشاعر الضعيفة عمل شنيع يكشف عن قلوب هواء، وإيمان هباء. وإنه لمن الموجع أن أقول: إن هذا الجزع لم تنفعل به قلوب الكافرين وإن هذا الطلب لم يجر له على ألسنتهم ذكر قط! في الطريق إلى مشارف غزة مقبرة تضم جثث الجنود الإنجليز الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى، عندما اشتبك الغزاة الصليبيون بالجيش التركى المدافع عن مواقعه في فلسطين. رأيت المقبرة تحتل مساحة فسيحة من الأرض، وترتفع فوقها الصلبان، ويلفها سوار من الأشجار النامية، ويتعهدها حارس وظفته الحكومة الإنجليزية للعناية بأبنائها، الذين ذهبوا فداء الإمبراطورية الضخمة. وما لنا نذهب إلى غزة؟ إن مقابر الجنود الإنجليز بشواهدها ودلائلها، لا تزال في أماكنها العتيدة من أرضنا، في التل الكبير، وفى القاهرة، وفى الخرطوم، ما فكرت أم ولا طالب أب بمفاتحة الحكومة الإنجليزية في لندن أن تجمع عظام الغرباء المبعثرة في شتى البلاد لكى يحج إلى مزارها القريب أب محزون أو أم ثكلى!! أما نحن المسلمون فلا نستحى من المطالبة برد قتلانا في الأرض المقدسة ليدفنوا في مقابر أسرهم بقرى مصر أو مدنها!! ولا تستحى بعض الصحف من ترديد التأوهات الباكية للنسوة الضعيفات الساعيات وراء هذه الغاية. يجب أن تبقى قبور الشهداء حيث حفرت، وأن تظل أجسادهم الكريمة حيث استقرت. إن صلاتنا لم تنقطع، ولن تنقطع أبدا بالأرض التى قاتلوا فوق ثراها، والمبادئ التى استشهدوا لإعلائها. ص _052

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت