ونحن بعد بضع سنين من مقتل"حسن البنا"نسائل أنفسنا: هل اعتبرنا بمصرعه؟ وهل تدبرنا أحوالنا وأحوال الشرق كله على بصر بالظروف الغامضة التى اكتنفتا مصرع هذا العملاق المخوف؟. المخوف من الملوك الفسقة، والحكام الفجرة؟! أعرف رجلا قُتل ابنة فلم ير حرجا من تقبيل اليد التى تلوثت بدمه، إن الجبان الذى انحنى ليفعل هذه الفعلة لا يقل إثما- في نظرى- عن القاتل نفسه. والناس قد يحزنون للجراح الجديدة، ويستشعرون ألمها، ولكنهم على مر الأيام ينسون ويذهلون. كما قال الشاعر: على أنها تشفى الكلام وإنما نوكل بالأدنى، وإن جل ما يمضى ولسنا عباد أشخاص، وإنما نكرم المبادئ فحسب في الرجال الذين يحيون لها، ويتجردون إلا منها. . كان"حسن البنا"رجلا واسعا، في نفسه مجالات شتى للأمزجة المتباينة والبطولات المنوعة، وذاك سر نجاحه في التجميع الغريب الذى قام به. لقد التف حوله ألوف وألوف، فأحسن توجيههم، وأمكنهم من العمل للإسلام، فأفادوا واستفادوا. وإنى أعترف بأن أحسن أصدقائى ما عرفتهم إلا في ميدان الدعوة، ومازال رباط الحب الوثيق يجمعنا بهم، ويدفع بقلوبنا وصفوفنا إلى خدمة الإسلام ونصرة أمته. وإنى لأرجع خواطرى التى كتبتها في السنين السابقة، فأجد فيها كلاما عن القيادات المختلفة، وقيمها الخاصة، يستحق أن يذكر هنا. ومنه تعرف مكان"حسن البنا"في المصلحين. * * * للقيادات الناجحة صور تتفاوت مجادة وعظمة. يعتبر قائدا عظيما، هذا الذى يستغل ما تحت يده من قوى معدة، فيدرك بها نصرا كبيرا، أو يحقق مأربا خطيرا، أو يحرز نجاحا واضحا. ص _210