فقد فرض عليهم الهدنة بعدما كادوا يدكون أسوار"تل أبيب"، فقبلوها، ووضعوا السيف في قرابه، وعادوا من الميدان إلى أهليهم ليستجموا، في الوقت الذى كان اليهود فيه يستغلون دقائق الهدنة لا ساعاتها في إكمال استعدادهم لسحق العرب، والتنكيل بهم. كان قبول العرب للهدنة ووفاؤهم لها كقبول"عرابى"لكلمة"دى لسبس"واحترامه لها. والواقع أن في طبائع رجالنا أثرا من الوفاء الذى يأمر به الإسلام. ففى أى عقد أو عهد يكونون طرفا فيه لا يفكرون إلا فيما للعهود والعقود من حرمة. ولو أدى ذلك إلى أفدح المغارم، وأثقل التبعات. أما رجال أوروبا فهم يحالفون الشيطان للمصلحة، ويبقون العهود للمصلحة، فإذا كانت المصلحة تقتضى غير هذا فالمعاهدات قصاصات ورق. وقد اطردت هذه القاعدة حتى في المعاهدات التجارية القصيرة الأجل فنلتزم نحن نصوصها، ويعبث هؤلاء بها عبثا يثير الاشمئزاز. والأمر خطير وهو يستدعى النظر في مبدأ التعاهد مع قوم هذا مبلغ فهمهم للمعاهدات المبرمة. (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) . وبيننا الآن وبين إنجلترا معاهدة مفروضة، وقد سكنت هذه المعاهدة شعور العداء للخصوم الذين احتلوا ديارنا غدرا. وأفاد الإنجليز من ذلك سلامة خطوطهم، وهدوء الجبهة خلفهم في أحلك الأزمات. فلو أننا قمنا بثورة أيام (العلمين) ، لكانت إنجلترا محتلة الساعة بجنود ألمان. ولتغيرت معالم الدنيا. ص _225