أليست هذه صورة العصيان كما نفهمها؟ إنها كذلك!! ولا مراء في أن هذا الضرب من مخالفة الشريعة المرسومة إثم يستتبع عقابه في الدنيا والآخرة، وتتحمل الأمة أوزاره في حاضرها وغدها. غير أن هذا النوع من العصيان ليس أخطر ما تجنى الأمة ثماره، فهناك معاصى أخرى أساسها عدم فهم القانون- لا فهمه ومخالفته- ويجب أن نقف طويلا عند هذا النوع الأخير لأن علاجه أشد عناء من غيره. إن الدين قبل كل شيء يصوغ القلب الذى يستوعب اليقين والإخلاص، ويتوجه إلى الله كما تتوجه الإبرة المغناطيسية في البوصلة إلى قطبها الدائم فهى مهما اهتزت تستقر عنده .. وصلاح القلب يتطلب كذلك صلاحية الوسائل التى تبلغه أهدافه، فالرجل المؤمن حقا يجب أن ينبعث في مشاعره كلها عن قلب سليم، حتى ينفذ التعاليم الجزئية في الشريعة بدقة. وحتى ينفذ التعاليم الكلية ببصر سديد، وإدراك جيد .. وعمل القلب المدخول في الحياة هو عمل"البوصلة"الفاسدة في هداية الطريق!! .. إن الطاعة والمعصية ليست خطرات عابرة تعرض للقلب على عجل ثم تنفك كذلك على عجل، كلا، إنها آثار لانطباع القلب نفسه بالخير والشر، ومظاهر لتوجهه إلى رب العالمين، أو انقطاعه عنه. وأكثر المسلمين يحسب الانقياد أو التمرد حالة للجسم لا حالة للنفس. وهم- لذلك- يظنون الحسنات والسيئات أمورا تعد على الأصابع، قبل أن يظنوها صورة للروابط الحقيقية بين الإنسان وخالقه، وهذا سر فساد كثير من المتدينين، وسر الضعف الشنيع البادى في أخلاقهم ومسالكهم. وصلاح النفس لا يغنى عن صلاحية الوسائل التى تصل بها إلى ما تريد، ص _103