فالسيارة المعدة لقطع المراحل الشاسعة مهما جادت آلاتها، وضخم استعدادها، لابد لها من طريق ممهدة، ومن خبير بهذه الطرق!! وإلا .. فلا جدوى لقوتها وعدتها. والمؤمن الطيب القلب لن يقوم بوظيفته في الحياة إلا إذا عرف الحياة نفسها، واتسعت إحاطته بدروبها ومتاهاتها وأسرارها، فإن كان ساذجا أو مغفلا أو قاصر النظر، أو قليل الفطنة، فسوف يقف مكانه محسورا، بل ربما اجتاحه من مكانه الآخرون. والجهل بالحياة مرض شاع بين المتدينين، وهم يعتمدون على سلامة طويتهم أكثر مما يعتمدون على عمق فهمهم، ودقة فقههم، ولذلك يفشلون حيث ينجح غيرهم .. !! لابد لنجاح النهضة الدينية من سلامة النفس والعقل، لأنه لا دين، ولا نهضة به، مع مرض النفس والعقل. والرجل الصوام القوام، المتخلف بفكره عن فهم العالم الكبير وما يدور فيه، المتخلف بنفسه عن تذوق الحق والإخلاص له- رجل ساقط في موازين الإسلام، وهو- بالتالى- فاشل في ميادين الحياة .. وإلى هذا النوع من العصيان يعود تأخر المسلمين في بلادهم، وسقوط خلافتهم الكبرى في أرض الله .. إن شرب الخمر معصية قد تنتشر وقد تنكمش، بيد أن هذه المعصية لا تطوى ألوية الأمة طيا سريعا كما يطويها قصور العقل وفساد الأفئدة. ولست أهون بهذا من شأن جريمة السكر ولا من ضرر حسمها. ولكنى ألفت النظر إلى أن الأمة المخمورة بالقصور النفسى والعقلى، لا تفيق من غفلتها، ولا تقوم من عثرتها، على حين أن الأمم التى تنتشى بالأشربة المسكرة تغيب وتصحو، وتكبو وتقوم!!. ص _104