والمؤسف أن المعاصى التى تشيع بين محترفى التدين هى من اللون الأسود إنهم لا يشربون خمرا، ولا يلعبون قمارا، ولا يضربون إنسانا ولا حيوانا، ولكن ما يستكن في قلوبهم من شهوات الظهور والجدل، والأثرة والحسد والاستعلاء والالتواء يجعل ضرهم أقرب من نفعهم للإسلام وأهله. وذلك كله لو كانوا علماء حقا بالإسلام! فكيف وفقههم فيه قليل، وحظهم منه ضئيل؟ وهذه الحقيقة تفسر لنا: لماذا ذهب"حسن البنا"أول أمره يجمع أنصاره من رواد القهوات وأشباههم بعيدا عن الطرق ورجالها، وعن مدمنى القعود في المساجد، وعشاق الدروس والمناظرات الدينية، إن هذه الطوائف حسبت الجنة تحت أقدامها. ومن أخطر أمراض المحترفين أنهم يسمون العجز عن الحياة زهدا، والجبن عن أعبائها قصدا، والتفريط في أسبابها توكلا!! وهم يبتعدون عن المخاطر، ويسمون ذلك حكمة! ويجاملون الحكام العتاة الأدنياء، ثم يعييهم الفتاوى لتبرير نفاقهم وسكوتهم عن تغيير المنكر! وقد لاحظت أن العوار الذى ظهر في الجبهة الدينية كان قريب النتائج من الانهيار الذى أصاب الأحزاب المدنية، فلما قرر الملك فاروق إطفاء الثورة ضد الإنجليز في القناة، مضى الوغد في خطته الخائنة، وفعل فعلته المنكرة دون محاذرة أحد، أو تخوف عاقبة. وكأنما كانت نارا بال عليها فانطفأت!! ثم خيم الصمت على الوادى المشدوه، وسكتت الصحف الثائرة، والإذاعات المائجة، وهرع المستوزرون إلى القصر يقبلون اليد التى صفعت مصر. أما أهل الدين فقد آثروا العودة من هذه الرحلة دون تعليق، وفى الاشتغال بالصلاة متسع لمن أراد عبادة الله. لقد عقد الحزن لساني، وكسر قلمى وأنا أنظر إلى فرد شرير يمتلك سلطات خرافية خطيرة تمكنه من بيع الأمة لأعدائها، وأحزاب الأمة وهيئاتها تنظر إلى سوء صنيعه وهى بين مداهن خوان، أو مهادن جبان. ص _091