وقد جاء الغوث من حيث لا نحتسب جاء الانتصار لمبادئ الإسلام على أيدى أقوام لم يلبسوا يوما عمائم التقى والورع! ولم يسمعوا في الأندية الغاصة يخطبون الجماهير ساعتين وثلاثا وأربعا. جاء الانتصار على أيدى رجال عاديين وكأن الله رأى أن يحرم غيرهم"الشرف"شرف هدم الطاغوت وطرد فرعون! (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) . وصح ما قلناه من أن المثل العليا لا تزدهر في نطاق معين، وأن الدين- وهو ملتقى هذه المثل- ليس له سدنة معينون، رسميون أو شعبيون. وهناك سيئات خاصة تنتشر بين محترفى التدين، فالمعروف عند حكماء الإسلام أن المعاصى نوعان: معاصى قلوب، ومعاصى جوارح، وقد تجتمع هذه الأنواع في نفس واحدة، والله أعلم بعباده. وقد قرر العلماء الراسخون أن معاصى الجوارح أخف جرما وأيسر دواء من معاصى القلوب. ولئن كان الكل معصية إلا أن شهوة الزنا عند شاب طائش أهون من شهوة الكبر عند شيخ جليل، وانفعال الغضب عند عامى صغير أيسر من انفعال الحقد عند فيلسوف كبير، وتفاوت الذنوب في مقدار ما يقارنها من إثم، ثابت في الشريعة. روى أحمد في مسنده، وأيده غيره، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال:"ربا يأكله الرجل- وهو يعلم- أشد من ست وثلاثين زنية". ص _090