المغيرين على تراث الإسلام في كل مكان، وأغرى الأمة أن تواصل كفاحها الواجب حتى يخرجوا .. ولما كانت الوثنيات السياسية في ربوع الإسلام تكأة خبيثة لهذا العدوان الكافر، فإنى لم أهادنها طرفة عين، وقد كان كتابى"الإسلام والاستبداد السياسى"حلقة من سلسلة كتب هتكت فيها أستار"الإقطاع"المدبر وحذرت الشعوب مغبة الاستسلام له في أحوال المجتمع والدولة. ولست أزعم أن هناك مسلما يطلب دخول المستعمرين في بلادنا، أو يرضى بقاءهم بين أظهرنا، إن ذلك- لو جال بخاطر أحد- فهو لا يعنى إلا الارتداد عن الدين والالتحاق بالكافرين. ولكنى أعرف أن هناك أقواما يؤثر في أعصابهم وأفكارهم الأمر الواقع، فهم يعيشون محصورين داخل حدوده، سواء عرفوا ذلك أم جهلوه، وقد يسمون ذلك حصافة في الفكر واتزانا في الحكم. نعم هناك رجال يبنون وجاهتهم في المجتمع العام على الارتباط بتقاليده كلها أو جلها، فلو نشئوا في بلد يعبد الأصنام لحسبوا من متممات كرامتهم الخاصة أن يسارعوا إلى تقديم القرابين لها. وهذا الصنف من الناس سدنة كل عرف شائع، أو قانون قائم فهم يحترمون الأوضاع المقررة من قبل، لأنها مقررة من قبل فحسب .. وهناك رجال من لون آخر، لا يعنيهم تملق الجماعة أو استرضاؤها، لأنهم يهنون مجادتهم على الحق الذى عرفوه، وعلى إلزام العامة به رضيت أم كرهت. والصنف الأول لا يصلحون للسير في موكب الإصلاح أبدا، بل هم عقبات كل إصلاح .. أما الذين يرمقون المجتمع بنظرات ناقدة، ثم يرسلون نقدهم سهاما تصيب الضالين، أو وقدات تلذع الغافلين، فأولئك وحدهم هم أهل الخير. وقد بلينا في ميدان الجهاد بنفر يتهيبون الأوضاع الباطلة كما يتهيب العميان المسير على شاطئ البحر ويتهربون من مغارم البطولة كما يتهرب الأطفال من المناظر المهولة .. ؟ فما الذى أقحمكم إذن في ساحة لستم لها؟ وما تعنيكم أمرا فوق ما تطيقون؟ ص _006