إن أولئك الشباب الهلكى، المبعثرة أحشاؤهم ومشاعرهم هنا وهناك، سوف تجمعهم القدرة العليا بكلمة واحدة، فإذا الجبين المشجوج ناصع مشرق، وإذا العين المفقودة حوراء مبصرة، وإذا الجثة الممزعة بشر سوى يقول لله:"آمنت بك وتحملت فيك ما ترى". وفى الجاهلية- قبل الإسلام- كان"دريد بن الصمة"يفخر بأن لحم أسرته طعام السيوف! وأن القتل استهدفهم لأنهم استهدفوه، وتلك شيمة العظماء .. أبى القتل إلا آل صمة إنهم أبوا غيره، والقدر يجرى إلى القدر فإنا للحم السيف غير نكيرة!! ونلحمه حينا وليس بذى نكر قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا فما ينقضى إلا ونحن على شطر! أرأيت سيماء للرجولة كيف برزت ملامحها المصقولة في عهود الجاهلية؟ ثم كيف هيمن الإسلام على هذه الخلال القوية فجعل العقيدة سنادها، والإخلاص شعارها حتى استحالت تحت لوائه قذائف تنطلق من مكامنها لتنفجر في مستقرها، فإذا هى تهد ما تعالى من حصون الكفر والطغيان، وتقر ما طورد من عناصر الحق والإيمان؟! أما اليوم، بعد قرن أو قرنين من ضعف الدولة الإسلامية الكبرى واختفائها فقد اختلت مقاييس الدين والدنيا. وبعد أن كان الموت في الميدان أمنية تستشرف لها الهمم العالية، وبعد أن كانت المصارع القاسية تنزل بالمصطفين لها، فتشير إلى ما سبق لهم عند الله من مثوبة، وما سيفدون عليه من كرامة، أضحينا نرى جيلا من أشباه الرجال يغمغمون بألفاظ الحسرة والأسف، لأن فلانا خر صريعا ولم يمت في سريره. شاهت الوجوه!! هذا عرض من أعراض الداء الخبيث الذى أطمع شتى الأمم في بلاد الإسلام وأغرى من لا يدفع عن نفسه بالاندفاع في أحشائنا يعربد ويغتال. ص _029