المثل"الوضيعة"التى صاحبت الفاتح الإسلامى وهو يستعمر الدنيا بالسيف- كما يقولون! ص _024
دع جانبا ما يدعيه"مونتسكيو"من أن السود لا أرواح لهم، وما يبتغيه"بالمرستون"من تصميم جماهير هائلة وإفناء أجيال بأسرها فدى لبريطانيا العظمى، أجل دع هذا جانبا، واصعد بنا إلى أفق آخر بعيد بعيد! عندما ذهب"سعد بن أبى وقاص"ليقود المسلمين وهم يغزون بلاد كسرى أوصاه"عمر بن الخطاب"أمير المؤمنين فقال:"يا سعد بن وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله وصاحبه! فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، وأن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذى رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه الآمر. هذه عظتى إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين". ولما اشتبك سعد بجحافل الفرس وتكالبوا عليه وخشى بطشهم أرسل إليه عمر يقول:"لا يهولنك كثرة عَددهم وعُددهم فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا .. إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم". فالأمر ليس أمر جيش يريد نشر الأفيون ليمرض به أمة، فيتمكن من احتلال أرضها ومالها، بل إنه أمر قبيل من الناس لهم حظ من الخلق الرفيع لن ينزلوا عنه أبدا، همهم الأول والأخير أن يؤسسوا حضارة تحفظ بها الأمانات تكفل الحقوق وتتكافأ الدماء والألوان، فلا يفضل أحد أحدا إلا بالتقوى، ولو كان الفاضل زنجيا والمفضول أمس الناس رحما بصاحب الرسالة نفسه .. ! ويفسر هذا ما روى من أن قائد الفرس بعث إلى"سعد"يطلب منه رجلا عاقلا ليفاوضه في مطالب العرب. فبعث إليه"المغيرة بن شعبة"، فلما قدم عليه قال رستم:"إنكم جيراننا، وكنا نحسن إليكم، ونكف الأذى"